hadj-mehdi-ain-el-arbaa

موقع متخصص في طرح القضايا الدينية من حيث الحكم الشرعي و الحكمة الربانية وتصحيح المفاهيم
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 العقل في الإسلام.. بين إقالة أهل الحديث وإقامة أهل الحداثة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
fadi23086



المساهمات : 24
تاريخ التسجيل : 20/08/2011

مُساهمةموضوع: العقل في الإسلام.. بين إقالة أهل الحديث وإقامة أهل الحداثة   السبت أغسطس 20, 2011 2:46 pm

عكف جورج طرابيشي في كتابه "من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث.. النشأة المستأنفة" على بناء إشكاليته الخاصة حول ما أسماه: "استقالة العقل في الإسلام"، وكان المفترض بكتابه أن يأتي كحلقة أخيرة من سلسلة رده على المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري في "نقد العقل العربي"، لكنه وجد نفسه يغادر ساحة جدله النقدي مع الجابري ليصوغ رؤية مغايرة مستقلة وفي الاتجاه المعاكس.
ونقطة الافتراق بين رؤيتي الرجلين تتجلى في أن الجابري قد توصل إلى أن "استقالة العقل في الإسلام" إنما تمت بفعل عوامل خارجية من غنوصية وهرمسية وعرفان مشرقي وغيرها من تيارات الموروث القديم "للآخر" تسللت إليه كحصان طروادة، بينما يرى طرابيشي أن تلك الاستقالة عينها إنما تمت بمحض آليات داخلية لا شأن "للآخر" بها، فالعقل العربي الإسلامي بحسب طرابيشي قد استقال وظل منكفئاً على نفسه يراوح في حلقة مفرغة بفعل هيمنة "الإيديولوجية الحديثية" عليه ردحاً طويلاً من الزمن، ويلخص طرابيشي جناية تلك الإيديولوجية في أنها غيَّبتْ صراحةً أو ضمناً القرآن لصالح "الحديث"، وغيَّبتْ فاعلية العقل لصالح المعجزة، وقضتْ على التعدديات، وهي أيديولوجية ما تزال ماثلة حتى اليوم لم تغب، بلتتبدى في ممانعةٍ للحداثة وعجزٍ عن استيعاب مفهوم التطور وجدلية التقدم، الأمر الذي ينذر -إن استمر- بالردة نحو قرون وسطى جديدة.
ويختار طرابيشي تركيز البحث على الجناية الأبرز "للأيديولوجية الحديثية" وهي تغييب القرآن لصالح الحديث ربما لكونها على نحوٍ ما السبب لما بعدها من جنايات، فبموجبها تحوَّل الرسول -كما صوَّره القرآن- من مجرد مرسَلٍ متلقٍّ ثم مبلِّغٍ للوحي لا يد له في التشريع إلى مرسِلٍ مشرِّع –في الإيديولوجية الحديثية- يتخطى في صلاحياته التشريع الإلهي، ويتحول من نبي أمي بُعث إلى قومه العرب إلى نبي أممي ينتشر دينه بالفتوحات، ويتحول الدين من إسلام الرسالة إلى إسلام التاريخ، وصناع هذا "الانقلاب" هم دائماً أهل الحديث الذين انتصروا على "المعتزلة/ القرآنيين" واستحوذوا على ساحة الفكر والفقه -وما يزالون- منذ أكثر من عشرة قرون.
الكتاب بفصوله الثمانية خلا من أية مقدمة أو تمهيد واكتفى مؤلفه بخاتمة مقتضبة وضّح فيها صلة الكتاب بمشروع الجابري، لكنه جعل فصليه الأوَّلَيْن بمثابة مقدمة نظرية يفكك فيها أصول الأيديولوجية الحديثية من خلال نفي حجية السنة في القرآن وإثبات أن القرآن لم يعترف أصلاً بوجود سنة للرسول فضلاً عن إعطاءه حقاً في التشريع، وأن الفتوحات التي انبنت على تحويل الرسول من نبي أمي إلى نبي أممي، وحملت إلى البلاد المفتوحة "إسلام القرآن"، قد ارتدت فيما بعد باتجاه مضاد، ليعيد أبناء البلاد المفتوحة بدورهم تصدير "إسلام الحديث" إلى فاتحيهم.
أما الفصول الستة الباقية فسردت تاريخ الإيديولوجية الحديثية تشكُّلاً وتطوراً بتفصيلٍ واستقصاءٍ مطوَّلَين على خلفيةٍ من تفكيكٍ نقديٍّ هو أبرز ما يسِم لغة الكتاب.
الشافعي.. قائد الانقلاب الأول
يردُّ طرابيشي "تكريس السنة" إلى الشافعي مؤسس علم أصول الفقه وواضع أسس نظرية المعرفة في الإسلام، فهو مَن قام بصياغة أول منظومة نظرية تلغي المسافة بين الكتاب والسنة، ونجح في "قَرْأَنَة السنة" وجعلها "وحياً غير متلو" موازياً أو مماهياً للقرآن في الرتبة والدور، وذلك هو المشروع الجوهري للشافعي في "الرسالة" التي أضمر فيها الرد على من لا يحتج بالسنة من "القرآنيين" في عصره.
ويقرر طرابيشي أن الشافعي بعد أن كرس حجية إلهية للسنة في الخطوة الأولى من مشروعه، فإنه كرس حجية إبستمولوجية لـ"خبر الآحاد" في الخطوة الثانية، ثم أكمل مشروعه بتأسيس آلية الناسخ والمنسوخ التي "أطلقت من القمقم عفريت التلاعب بالنص القرآني"(1)، فجعلت مُؤوِّل النص القرآني لا قائله هو من يحدد ناسخ الآيات من منسوخها، ورهنت آيات القرآن بآفاقها المفتوحة إلى ما تمليه عليها نصوص السنة المتكاثرة مع الزمن-برأيه-، ما دفع طرابيشي للقول بأن الشافعي دشن "نشأةً مستأنفة" حسب التعبير الخلدوني، أو نفَّذ انقلاباً لاهوتياً وإبستمولوجياً معاً يضاهي الانقلاب الذي نفّذته المسيحية في الإمبراطورية الرومانية؛ إذ جعلت المسيح ابنا مشاركا للرب في الجوهر، مع فارق أن انقلاب الشافعي أَلَّه سُنَّة الرسول لا شخصه، وهو أقصى ما يمكن أن يتحقق في دين توحيدي تجريدي كالإسلام.
وعلى الضفة الأخرى جاء "انقلاب" الشافعي هذا جاء على حساب العقل، وذلك بتقييد دوره لصالح النقل، فهو الذي شن حملة شعواء على "أهل الكلام" وأزرى بهم، وهو الذي أحال العقل على النقل فجعله يلهث دون توقف خلف نصوص السنة التي يعجز أن يحيط بها أو يجمعها فرد واحد –لكثرتها أو تكاثرها- ليقف العقل منها بعد ذلك موقف التصديق والتسليم والاتباع لا غير، ثم لما اضطر الشافعي لـ"الاجتهاد" أفسح للعقل –وحفظاً لكبريائه- حيزاً ضيقاً من الممارسة تتمثل في "قياسٍ" يقتصر على الفروع التي لا نص فيها، لكنه سرعان ما أن قام بسدِّ آفاقه بإبطاله للاستحسان وعدِّه نوعاً من اتباع الهوى والحكم بالتشهي.
يصل طرابيشي في الخلاصة إلى أن دعوى "وسطية" الشافعي أو توفيقيته بين أهل الرأي وأهل الحديث التي روَّجها أحمد أمين وقلده فيها من جاء بعده إنما هي مصادرة تحجب عن الأذهان "الانقلاب اللاهوتي والإبستمولوجي" الذي قاده الشافعي كـ"مؤسس ثانٍ للإسلام"، ثم تضفي على هذا الانقلاب صفة المشروعية حين تصفه بـ"الجمع والتوسط والتوفيق".
بعد الشافعي يأتي ابن حزم الذي كان شافعياً أول أمره ثم عدل إلى مذهب أهل الظاهر الذين هم أشد أهل الحديث نصيةً، ومع أنه أكثر مفكري الإسلام إشادة بالعقل وبـ"حجج العقول" لدرجة أن الجابري انخدع بعقلانيته المزعومة، إلا أنه أبرزُ مَن أقال العقل في الوقت نفسه، حتى بلغ من إقالته أنه أعطى النص أولوية مطلقة واستتبع العقلَ له، فأجاز أن يرِد النصُّ بما لا يُعقَل دون أن يحط ذلك من منزلة النص أو يمنع العقلَ من قبوله، فجائزٌ عند ابن حزم أن يأمر النص بالشرك أو التثليث بدلاً من التوحيد، أو يبيح القتل أو الزنى أو السرقة بدلاً من أضدادها، ولو فعل النصُّ ذلك لكان ما أَمَرَ به حسناً وما نهى عنه قبيحاً، وبعبارة أخرى فالمعقول عند ابن حزم يستمد معقوليته لا من العقل بل من النص (2).
وقد زايد ابن حزم على "انقلاب" الشافعي بمدَّه "الإيديولوجية الحديثية" إلى أقصى مدى يمكنها أن تبلغه، فإذا كان الشافعي قد رفع السنة إلى مرتبة القرآن ثم لم يُجز نسخ أحدهما بالآخر فإن ابن حزم أجاز نسخ القرآن بالسنة، وفي موقف آخر بالِغ الغلو أسبغ "عصمة" على رواة الحديث الثقات لأنهم نقلة الدين، وعصمتهم في النقل جزء من عصمة الدين وحفظه.
وفي مجالات أخرى من نفس الإيديولوجية شنَّ ابن حزم حملته المشهورة على فاعلية العقل في النص ممثلةً في القياس وتوابعه من تعليل واستحسان ومصالح مرسلة، وتكلَّفَ في إبطالها شتى التأويلات والتفّ على الدلالات مع تشبث مستميت بحرفية النصوص وألفاظها لدرجة يبدو فيها وكأنه يعاني حالةً من "رُهاب القياس"، وأنكر حتى قانون السببية وقاعدة مقاصد الشريعة، ونظر إلى العالَم نظرة سكونية باعتباره ناجزاً ونهائياً لا يتوقع أن يطرأ عليه أي تغيير أو تطور، فالدين قد اكتمل والشرائع ثابتة لا تجديد فيها ولا تبديل إلى يوم القيامة، ما اضطره إلى إقرار مبدأ الاستصحاب الذي يفيد بقاء ما كان على ما كان، وفتح باب الإباحة على مصراعيه ليدخل فيه كل مستجد لم يتناوله النص.
انتصار أهل الحديث
بين الشافعي وابن حزم يأتي أحمد بن حنبل ألمع رموز "الإسلام الحديثي" الذي يعتبره طرابيشي المؤسس الثاني للسنة والمسؤول الثاني عن التضخم المتسارع للمدونة الحديثية، فهو الذي أعطى السنة مرجعية معرفية مطلقة لا تدانيها أية مرجعية أخرى، حتى إنه قدّم السنة على القرآن وجعلها مدخلاً أو مقدمة إلى علم الكتاب والدين، وكان من منهجه أن "يقبل الأحاديث ولا يردَّ منها شيئاً إذا كانت أسانيدها صحيحة وإن نَبَا الحديث عن الأسماع أو استوحشه السامع"، ولهذا السبب جرى "تطويبه" (3) كإمام للسنة في جوٍّ من الروايات المبالِغة في مكانته وبطولته ومناقبه الحاوية للعجائب والمستمدة حتى من المنامات، وفي هذا السياق يأتي دائماً الحديث عن "محنة خلق القرآن" وكأنها "محنة ابن حنبل" دون غيره حتى لَيمكن القول بأنه لو لم توجد محنة خلق القرآن لكان ينبغي اختراعها تعزيزاً لمكانة "إمام السنة" ورفعه إلى مرتبة "الصديقين".
وبمناسبة محنة خلق القرآن يؤرخ طرابيشي عهد المتوكل باعتباره عهد "انتصار أهل الحديث"، فالمتوكل الذي أغلق ملف خلق القرآن يوم آلت إليه السلطة، وقرّب أهل الحديث واسترضاهم وأغدق عليهم لم يفعل ذلك لغرض لاهوتي -وهو المستغرق في ملذاته وقصوره الباذخة-، بل لغرض سياسي بحت يتمثل في استرضاء العامة التي لم يعد من الممكن تجاهل قوتها أو انحيازها لصف أهل الحديث خصوصاً بعد محنة خلق القرآن، ويعتبر طرابيشي عمل المتوكل هذا انقلاباً سياسياً أعاد ترتيب العلاقة بين السلطان والرعية، فبينما كان المبدأ لدى الخلفاء قبل المتوكل يعتبر "الناس على دين ملوكها" -وهو المبدأ الذي سارت عليه النهضة الأوربية من خلال الإصلاح البروتستانتي، فانشقت عن كنيسة روما المحافظة لتنفتح على تباشير الحداثة- وهو المبدأ الذي أثمر شرارة إصلاح ديني قاده المعتزلة القائلون بوجوب توافق العقل مع النقل ورد ما يعارض العقل منه، جاء المتوكل فأخمد تلك الشرارة الإصلاحية، ورهن السلطة الدينية لأهل الحديث الذين هم في عداء مستحكم –بحكم إيديولوجيتهم- مع كل جديد أو تجديد إذ لا يرون فيه سوى معنى البدعة والابتداع.
ولا تقف أبعاد الانقلاب المتوكلي عند هذا الجانب، فهو بإغلاقه ملف خلق القرآن قد فتح الباب على مصراعيه أمام "تسييد السنة" ومرْكزة إشكاليتها إبستمولوجياً على حساب تهميش القرآن وإشكالياته، كما أن انقلابه هذا قد تزَيَّا ببعدين طائفي وطوائفي من خلال معاداة الشيعة من داخل الإسلام والنصارى من خارجه، ما أرسى جذوراً سوسيولوجية وإيديولوجية غير قابلة للاجتثاث ولا للتجاوز لصيرورة التحول من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث من خلال تطور الأدبيات الفِرَقية في المدونة الحديثية المعادية للشيعة وأهل الذمة، مع ملاحظة أن الشيعة بدورهم قد قاموا بعملية "تسنين" موازية خاصة بهم فأسسوا إسلاماً حديثياً إمامياً مقدَّماً على مرجعية القرآن أو مضاهياً لها.
"الصنعة الحديثية" وتضخم الحديث
يسجل طرابيشي ما طرأ على ساحة الفكر الإسلامي بعد "انقلاب الشافعي"، ويتمثل في تقلص مساحة "العقل والرأي" بل استؤصلت شأفته من حقل الفقه أولاً ثم من سائر الحقول المعرفية للحضارة العربية الإسلامية، وفي المقابل فإن "الحديث" أخذ يتضخم تضخماً متسارعاً على صعيد الكم بعد أن ضخمه الشافعي على صعيد الكيف، فتكاثرت أحاديث الأحكام التي هي برأي طرابيشي "الأكثر إلزامية للعقل والأشد تكبيلاً له في الإسلام كما في سائر حضارات النص المقدس" (4).
وبالتوازي مع ذلك الانقلاب نشأت"آلية الإسناد" التي هي –برأي طرابيشي- آلية بَعدية لا قبْليَّة جرى اختراعها لسد ثغرات السلسلة وتوثيق الرواة والتمرير الأركيولوجي للآثار على أنها آثار فعلاً، وعليه فالصناعة الحديثية بدورها إنما هي صناعة إسقاطية مهمتها إعادة تصنيع الماضي وفق هوى الحاضر وضرورات السياسة أو الفقه أو محض الشهرة أو ربما التجارة والتكسب (5)، وإذا كان القرآن يكرر أن الرسول متَّبِع و"مشرَّعٌ له غير مشرِّع" فإن الشافعي بـ"انقلابه" جعل الرسول مشرِّعاً، ثم انتقلت سلطة التشريع على يد رجال الحديث من "الرسول" إلى "مَنْ حَدَّثَ عن الرسول" باعتبارهم صناع الرواية ومنتجيها.
ويعتبر طرابيشي تضخُّم المدونة الحديثية عبر الزمن دليلاً على أن "آلية الإسناد" اتُّخذت درعاً يتم من ورائها انتحال الأحاديث وتلفيقها خصوصاً بعد كف يد العقل وتقييد فعاليته الاجتهادية بإطار النصوص، وابتداءً من عصر أحمد بن حنبل تحولت المدونة الحديثية إلى "متاهة يستحيل تمييز الصحيح عن المكذوب فيها" بما في ذلك مسند أحمد نفسه الذي زادت أحاديثه على الثلاثين ألفاً حشاه مؤلفه بالحديث المشهور لا بما صح عنده، هذا إن سُلِّم أن ابن حنبل هو نفسه من جمعه لا ابنه عبد الله ولا تلميذه القطيعي المشكوك في ضبطه الذي زاد في المسند زيادات فيها أحاديث موضوعة أيضاً.
ويستمر التضخم عبر عملية "الاستدراك" التي باشرها الحاكم النيسابوري بنفس آلية الإسناد المعتمدة على تقييم ذاتي غير موضوعي للرواة في الجرح والتعديل، ثم يأتي الخطيب البغدادي مُنظّراً لهذه الظاهرة من خلال شرعنته الرواية بالمعنى، وقبول مراسيل الصحابة، وتصحيح الرواية بمجرد الإجازة دون السماع، وعدم اعتبار التدليس جرحاً، وقبول سماع الصغير، وقبول التعديل دون تفسير بخلاف التجريح، ونفي وقوع التعارض بين الروايات وإن بدت في الظاهر كذلك، لدرجة أن ظاهرة تضخم الحديث استعصت على الضبط كما يشهد بذلك كتاب الإمام الغزالي الموسوم بإحياء علوم الدين الذي اصطفت فيه آلاف الأحاديث الصحيحة والموضوعة جنباً إلى جنب دون تمييز، حتى إن الحافظ العراقي الذي استغرق تخريج أحاديث "الإحياء" منه عشر سنين أقر لا بوجود مئات الأحاديث الضعيفة فيه فحسب، بل بأمثالها مما لم يجد له أصلاً أو لم يعثر عليه إلا في "الموضوعات".
بل إن كتب "الموضوعات" التي نشأت كرد فعل على تضخم ظاهرة الوضع ما لبثت أن تحولت بدورها إلى سلاح إيديولوجي في حقل علم الرجال الذي يعتبره طرابيشي من أكذب العلوم أو أكثرها إيديولوجيةً، فأصبح الحكم على الراوي تابعاً للحكم على حديثه كما فعل الجوزقاني مثلاً في موضوعاته، حيث حكم على الأحاديث في "موضوعاته" قبولاً أو رداً تبعاً لمطابقتها لمذهبه، كما أن إفراد أهل الحديث حيزاً لغربلة ما هو موضوع وفرزه يعني تكريساً ضمنياً منهم لصحة الباقي، ومنعاً منهم أيضاً لأي دخيل على منظومتهم أن يمارس فيها نقداً من أي نوع كان.
"التخريج" عندما يعمل العقل الحديثي
يفرد طرابيشي فصلاً مستقلاً يبين فيه واحداً من أبرز خصائص الإيديولوجية الحديثية، وذلك فيما يسميه "العقل التخريجي" الذي هو عقل نمطي يتحكم بكل الإبستمولوجية الحديثية ويمثل السقف الأعلى لاشتغال العقل عند أهل النقل، والتخريجُ الذي امتاز أهل الحديث بممارسته بدءاً بابن قتيبة، مروراً بالطحاوي وابن شاهين والحازمي، وصولاً إلى الشعراني يتمثل في "طلب المخرج" لتعارض النصوص أيا كان المخرج وأيا كانت منزلته، ولو كان ذلك بتأويلٍ مُتكلَّفٍ للألفاظ، أو افتراض ما لا يُتصوَّر في العادة، بل حتى ما لا يتصور في العقل كالقول بتكافؤ الأضداد، ولو كان التخريج بإبطال ما أُثبِت في تخريجٍ سابق، أو توثيق راوٍ سبق القول بجرحه في "لعبة علم الرجال"، ولو كان التخريج بافتراض "نَسْخٍ" تكذِّبه رواياتٌ أخرى ..، التخريج في الحصيلة عملية ترقيع مضطربة تعيش "رُهاب التناقض"، همُّها استبقاء الرواية وإنقاذ الحديث من الرد أو النقد، والتخريج بحسب طرابيشي هو عملية يقوم بها "العقل المُعَقْلِن" (6) في "سيرورة منطقية ونفسية معاً، ومن طبيعة مرَضية تدّعي نصاب المعقولية المسبقة واللامشروطة للنص، وتنحصر مهمتها في تبرئة النص من العيوب وسد نواقصه وثغراته وتسوية تضاريسه"، وبإدخال ظاهرة التخريج إلى "عيادة التحليل النفسي" عند طرابيشي تكون نتيجة التشخيص: "هاجساً إنكارياً عُصابياً" يعاني منه رجال التخريج (7).
مالك و أبو حنيفة .. آخر رمق من الحرية
وبالرجوع إلى ما قبل "انقلاب الشافعي" نجد مالكاً الذي يعده طرابيشي رائد مدرسة الرأي، قد تحرك في هامش من الحرية قبل أن يغلقه الشافعي، فالسنة عند مالك ليست فقط السنة النبوية بل هي أيضاً سنة الصحابة وسنة أهل المدينة وسنة عموم المسلمين، ومدوَّنه الحديثي "الموطأ" لا يقتصر على حديث الرسول فحسب، بل فيه احتجاج بأقضية الصحابة وأعمالهم وفتاوى التابعين وعمل أهل المدينة يزيد كثيراً على الأحاديث النبوية التي لم تبلغ خمسمائة حديث يعاني ثلثها من انقطاع الإسناد بوجهٍ ما، الأمر الذي يشير إلى عدم تحكم "الصنعة الحديثية الإسنادية" في الحكم على الحديث في تلك المرحلة؛ ثم في فقه مالك المأثور حريةٌ ما في الحراك إزاء النص، ففضلاً عن "فقهه الافتراضي" أو "الأرأيتي" مارس مالكٌ آلياتٍ اجتهادية من قياسٍ واستحسانٍ واستصلاحٍ هي في جوهرها انزياحٌ من متن النص إلى هامشه نزولاً عند مقتضيات الواقع، وإنطاقٌ للعقل عند سكوت النقل أو "غيابه".
أما أبو حنيفة فيؤثر طرابيشي الحذر إزاءه مع إقراره له بأنه من فقهاء الرأي لا الحديث، ومبعث حذره عدم توفر أثرٍ صحيح النسبة لأبي حنيفة يعرّف بمذهبه، وأن لا سبيل لمعرفة فقهه إلا عن طريق تلاميذه، وهو يرى أن المسافة الزمانية و"الإبستمولوجية" الفاصلة بين أبي حنيفة وبين تلاميذه قد ملأتها ضغوطات الإيديولوجية الحديثية المنتصرة، إذ بلغ تشنيع أصحاب الحديث على أبي حنيفة حد إخراجه من الدين أو كاد، ما جعل تلاميذ المذهب مهجوسين بنفي وصمة العار التي أُلحقت بأستاذهم لدرجة أنهم بدلاً من أن يدافعوا عن مذهب أستاذهم في الرأي حوَّلوا أستاذهم إلى صاحب حديث بل إلى محدث صاحب مسنَد، بل ألحقوه بالتابعين، وضربوا له بسهم في علم الرجال وبرَّؤوه من تهمة "الرأي" إلى غير ذلك من "التنازلات" التي قدموها نزولاً منهم عند مقتضيات الإيديولوجية السائدة التي فرضت نفسها في عموم الساحة الفقهية منذ انتصار أهل الحديث.
طرابيشي والدعوة إلى إسلام القرآن!!
يخلع طرابيشي عباءة النقد ليلبس جبة الاجتهاد في محاولة منه لتفكيك أسس الإيديولوجية الحديثية، وذلك بادعائه أن القرآن لم يذكر سنة الرسول أصلاً، بل هي "الغائب الكبير في النص القرآني مقابل سنة الله التي تكرر ذكرها في القرآن ثماني مرات" (Cool، ثم زاد على هذا أن قام بـ "رحلة استقرائية" لآيات القرآن الكريم تؤكد كلها أن الخطاب القرآني قد صاغ جدلية من طرف واحد، يكون فيها الله آمراً مطلَق الحرية، والرسول مأموراً مطلق العبودية، يقف في موقع اللافاعل .. موقعِ المشَرَّع له لا الشارع .. المسنون له لا السانّ، تقتصر مهمته على تبليغ الرسالة فحسب، مؤكداً على ضرورة "التمييز في شخصية الرسول بين البشر الذي يتكلم من عند نفسه والبشر الذي يتكلم من عند الله" (9) فهو في الأولى بشر يخطئ ويصيب، ويدرأ خطأ الرأي بالمشاورة، أما في الثانية فهو مأمور بالوحي متبع له لا خيار له إزاءه.
الطريف في اجتهادات طرابيشي وقراءته "الإحصائية" للآيات القرآنية أنها جاءت أكثر حرفية حتى من اجتهادات الظاهريين من أهل الحديث، فآيات "التبليغ" (10) التي ركَّز على الاحتجاج بها لا تفيد بمنطوقها أكثر من إلزام الرسول بتبليغ الوحي حرفياً دون أي تصرف، ولكنها لا تمنعه من الكلام أو التصرف فيما وراء الوحي.
وحينما واجه طرابيشي الآيات الآمرة بـ"طاعة الرسول" –بجانب "طاعة الله"- لم يجد مخلَصاً من مضمونها سوى أن يتكلف في تأويلها ما ينقلب حجةً عليه مرةً أخرى، حيث زعم أن المراد بالطاعة إنما هو التصديق لا الامتثال أو الائتمار!! والحال أن طرابيشي وقع هنا في أشد مما فرّ منه، إذ تأويل الطاعة بـ"التصديق" يستلزم وجود نص غير القرآن صادرٍ عن الرسول يجب تصديقه ولا يضره أن يستمر عبر الزمن –إذ المطلوب تصديقه فحسب- بخلاف الأمر الذي تجب "طاعته"، فإنه مدخولٌ بإمكان التقييد بقيود الزمان والمكان والإنسان. فضلاً عن أن تأويل الطاعة بـ"التصديق" مُبطِلٌ لنظام الدلالة والتفاهم اللغوي إذ يفسر اللفظ بغير معناه ويردُّ معنىً إلى غير لفظه، لأن الطاعة في اللغة العربية تأتي في مقابل الأمر وضدها العصيان، أما التصديق فيأتي في مقابل الخبر أو الدعوى وضده التكذيب، ولا يجوز تبديل وجوه الدلالة والمعاني خدمةً أو تأييداً لما سبق في الذهن من التصورات والمباني.
ولا يقف الأمر بطرابيشي عند هذا الحد، إذ يبدو أنه قد مارس ما يسميه خصومه من أهل الحديث "تدليساً" في احتجاجه عليهم بالقرآن، وذلك حين أغفل في "قراءته الإحصائية" ذكر الآيات الآمرة بـ"اتباع الرسول"، والأمر القرآني باتخاذ الرسول "أسوة"، فبمثل هذه الآيات استمدت السنة مشروعيتها بل ومنزلتها من القرآن، ولم تنتظر قرنين من الزمان ليسبغ عليها انقلابُ الشافعي المشروعية أو يرفعها في المنزلة، خلافاً لـ"ظاهرية" طرابيشي التي حكمت بعدم وجود سنة نبوية بناءً على عدم ورود ذكرٍ لها في القرآن.
وبناءً على ما تقدم من إحالة القرآن على السنة معنى لا لفظاً فإن السنة هي التي صنعت رجال الحديث لا العكس، وليس مرد الأمر مجرد إحالةِ نقلٍ على نقل، بل إن من بداهة الحكم على القرآن بكونه خطاباً أحدث تغييره الهائل في مجتمعه ونال قدسيته ككتابٍ سماويٍّ ونصٍّ مقدسٍ ومركزٍ لحضارة النص أن لا يكون مبلِّغه مجرد شخصٍ نكرةٍ لا يكاد يُعرَف أو يروى عنه أو من سيرته شيء، بل إن مبلِّغاً لمثل هذا الخطاب من شأنه أن ينال من العناية بسيرته وأخباره الشيء الكثير كما من شأنه أن تُنسج حوله الأباطيل والموضوعات بالمقابل.
وعلى هذا فدعوى طرابيشي بأن آلية الإسناد آلية بعدية لا قبلية اتـُخذت لتمرير "الوضع والانتحال" هي بذاتها دعوى أشبه ما تكون بفرضية "وُضِعت" لتمرير الرؤية المضادة، ذلك أن مَن سيختلق الحديث لأي غرضٍ كان إنما سينسج "كِذبةً" محتاجة بطبيعة الحال إلى تعليبها في قالب يجعلها قابلة للتصديق، وقالب المصداقية هذا الذي هو "الإسناد" لابد أن يكون سابقاً في الوجود على الكذب المراد تمريره على المتلقي، ومن هنا فآلية الإسناد لم يوجدها أهل الحديث بقدر ما أوجدتها قبلاً ضرورةُ تلقي ثم تناقل المعلومة الدينية التي لا تنفك بطبيعتها عن "الرواية" التي هي بدورها جزء لا يقبل الانفكاك عن نظام المعرفة عموماً.
ومن هنا كان دور رجال الحديث دوراً تقنياً بحيث تملي عليهم "الصنعة الحديثية" إيلاء الإسناد عناية تفوق العناية بالمتن، وربما يكون "تكليفاً لهم بما لا يطاق" مطالبتهم بأن يبرعوا في الجمع بآنٍ واحد بين "الرواية" و"الدراية" معاً، مثلما سيكون من الإغراق في الوهم مجاراة طرابيشي في تصويره رجال الحديث وكأنهم وحدهم صناع المعرفة ومنتجو الثقافة في زمانهم.
بل لنا أن نزيد على ذلك بالقول بأن "عقلية" أهل الحديث المنهمكة بطبيعتها في "التفاصيل" و"الحرْفية النصية" التي لا تجرؤ حتى على نقد الحديث أو رده إلا قليلاً هي العقلية الأكثر انسجاماً والأقدر "مهنياً" على القيام بمسؤولية "التوثيق من أجل التوثيق" تاركة مهمة النقد والتمحيص لمن يجيدها، ولا توجَد المشكلة إلا عندما نطلب من مثل هذه العقلية أن تجتهد نقداً أو رداً أو حتى استنباطاً، وفي حال تم ذلك –وهو ما تم فعلاً بحسب طرابيشي- فإن التهمة لا ينبغي أن توجه للإيديولوجية المتغلبة المناوئة للعقل، بل للإيديولوجية العقلانية المهزومة التي فوتت فرصة إثبات نفسها سياسياً عندما قبلت ممارسة الإكراه ودعوياً عندما تعالت بنخبويتها على "العامة" ثم شلّتها المذهبية والتقليد أكثر مما شلتها الإيديولوجية الحديثية.
وإن شئنا الاستعانة بعلم النفس التحليلي كما فعل طرابيشي لقلنا إن "هاجسه الإنكاري" تجاه السنة وأهل الحديث قد شوش عليه الرؤية وأوقعه في حالة "نكوص" إلى أحضان المعتزلة الذين هم برأيه ممثلو "العقل" و"القرآن" الأمر الذي يستبطن وصف "الآخر" بضد "العقل والقرآن"، لن نتوقف عند ازدواجية طرابيشي حين يفكك "إيديولوجية" ثقافة موروثة بمعايير معاصرة ثم يعوّل على استئناف "الإيديولوجية" المضادة لها رغم كونها هي الأخرى موروثة، بل سيستوقفنا ارتهانه لثنائية العقل والنقل التي ما تزال محكومة في قراءته بقانون التنافي الذي يتعذر معه الجمع والتوفيق، ذلك التنافي، اعتزالياً كان أو حديثياً، وما يستتبعه من تخندق وتخندق مضاد لا ينذر -إن استمر- بالردة نحو قرون وسطى على حد عبارة طرابيشي، بل يشير إلى أننا لم نغادرها أصلاً
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
العقل في الإسلام.. بين إقالة أهل الحديث وإقامة أهل الحداثة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
hadj-mehdi-ain-el-arbaa :: المواضبع :: خطب ومحاضرات-
انتقل الى: