hadj-mehdi-ain-el-arbaa

موقع متخصص في طرح القضايا الدينية من حيث الحكم الشرعي و الحكمة الربانية وتصحيح المفاهيم
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 علم الكلام الخلدوني

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
fadi23086



المساهمات : 24
تاريخ التسجيل : 20/08/2011

مُساهمةموضوع: علم الكلام الخلدوني    السبت أغسطس 20, 2011 2:55 pm

مقدمة

لا أحد يجادل اليوم أن ابن خلدون صاحب كتاب »العبر« الشَّهير قد حظي بمكانةٍ مرموقةٍ شرقًا وغربًا، لم يحظ بها مفكرٌ إسلاميٌ غيره، ونال قسطًا وافرًا من العناية والتَّكريم والتَّبجيل، فضلًا عن الإنتاج المعرفيّ الزَّاخر الذي شكَّل حقلًا كثيفًا مكونًا غابةً من الدِّراسات الخلدونيَّة!

إلا أنه يمكن القول: إن مجمل الخطاب الذي تبلور حول هذا (العبقريِّ المحيِّر) - بحسب عبارة جاك بيرك([1]) - عمل على طمس وحجب ابن خلدون نفسه في كثير من الأحيان، من خلال عمليَّات تأويليَّة وقراءاتٍ أيديولوجيَّة، أُنجزت في سياق عمليَّات الهيمنة والسَّيطرة الأوروبيَّة أثناء الحقبة الاستعماريَّة، ومحاولة الانعتاق من أسر التَّبعية، وإنجاز النَّهضة العربيَّة والإسلاميَّة، وصولًا إلى الاستقلال والإبداع.

فقد تحوَّل ابن خلدون إلى رمزٍ يُستخدم في الصِّراع بين الشَّرق والغرب، فليس غريبًا أن يكون قد اكتشف من طرف الغرب في لحظة المغامرة الاستعماريَّة في القرن التاسع عشر، ضمن آليَّات العقل الأداتي الاستشراقيّ المرتبط بالهيمنة والسَّيطرة، ثم العمل على إدماجه في نطاق التَّاريخ الكونيّ الغربيّ، باعتباره أحد العبقريّات العقلانيَّة والحداثيَّة.([2])

وفي مطلع القرن العشرين نمت واتسعت محاولات بلورة خطاب عربيّ إسلاميّ يعمل على استعادة ابن خلدون، ووضعه في سياق المجال الحضاري الذي انبثق منه، وشهدت الدراسات الخلدونيّة نشاطًا كبيرًا منذ سبعينيات القرن المنصرم باعتباره أحد القيم الإسلاميّة الساميّة، التي تمّ توظيفها كأحد العناصر المكوِّنة لنسق الأيديولوجيّة القوميّة العربيّة.

إن تكاثر الخطاب الغربيّ حول ابن خلدون يأتي في سياق الإنتاج الإيديولوجيّ الذي طوَّره الغرب تجاه الإسلام والثَّقافات الأخرى، في سياق المقاربة الثقافيّة من موقع الهيمنة والسَّيطرة، وفي سياق المركزيَّة الغربيَّة التي تنطوي على نرجسيَّة ميتافيزيقيَّة منغلقة، ترى في ذاتها رمزًا للنَّهضة والتَّقدم، وترى في الآخر الإسلاميّ رمزًا للانحطاط والجُمُود، حيث يُعتبر ابن خلدون الاستثناء الذي يؤكِّد القاعدة.

ولعلَّ الخدمة الكُبْرى لتراث ابن خلدون اليوم، تكون في إعادة الرَّجل إلى زمانه وثقافته وقراءته، وفق منهجٍ شموليٍّ تكامليٍّ داخل السِّياق التَّداوليّ العربيّ الإسلاميّ، بعيدًا عن التَّجزيء والتَّقطيع الذي طبع معظم الدِّراسات الخلدونيَّة.

وسوف نتناول في هذا البحث أحد الجوانب الأساسية في تكوين ابن خلدون الفكريّ، ومحاولة التَّعرف على منهجه الكلاميّ.

فقد تعددَّت الآراء حول أصالةِ وجدَّة الإنتاج المتعلِّق بعلم الكلام الذي أبدعه ابن خلدون؛ فقد رأى فيه بعض المعاصرين متكلمًا أصيلًا، وفي مقدمتهم لويس جارديه وجورج قنواتي([3])، وصنَّفه عددٌ كبيرٌ من الباحثين كأحد متكلمي الأشاعرة، مثل الدكتور محجوب ميلاد([4]) الذي أكَّد على ذلك بقوله: «إن ابن خلدون أشعريٌ في الأصول، وينتحل في الأشعريّة طريقة المتأخرين» ، أما الدكتور أبو العلا العفيفي فقد ذهب إلى أن ابن خلدون يتوافر على نظراتٍ فاحصة في مجال علم الكلام ويشبِّهه بالإمام الغزالي([5])، وأيّد هذه المقولة الدكتور عمر فروخ الذي قال: «إن ابن خلدون أشعريّ المذهب، ومخالفٌ للمعتزلة في آراءهم»([6]).

ويتوسّط الأستاذ عبد الله عنان بخصوص اهتمام ابن خلدون بعلم الكلام، فقد اعتبر أن اهتمام ابن خلدون بهذا العلم كان مبكرًا، حيث إن أوّل مصنَّف قام بتأليفه كان عن أحد الكتب الكلاميَّة للفخر الرازي، وهو «مُحصّل أفكار المتقدمين والمتأخرين» فقام ابن خلدون بتلخيصه في «لُباب المُحصّل»([7]).

إلا أن هناك مجموعة من العلماء والمفكرين أنكروا أن يكون ابن خلدون متخصصًا في علم الكلام - على الرغم من معرفته به - ومنهم جورج لابيكا([8]).

إن المطالعة الدَّقيقة لمجمل الآراء التي قدَّمها ابن خلدون في علم الكلام - سواء في »المقدمة« أو »لباب المُحصّل« أو »شفاء السَّائل وتهذيب المسائل« - تدلّ على معرفة ابن خلدون بهذا العلم، إلا أن هذه المعرفة لا تتجاوز ما أنتجه الأشاعرة في المشرق العربي، وخصوصًا ما وصل إلى المغرب من هذا الإنتاج الكلاميّ، كما سوف يظهر بشكلٍ جليٍّ في بحثنا.

فالعوامل التي أدَّت إلى نُضْج علم الكلام في المشرق لم تتوفّر في المغرب، إذ لم تشهد تحديَّات فكريَّة تُناهض العقيدة الدينيَّة كتلك التي تمثَّلت بالدِّيانة المسيَّحية واليهوديَّة والمذاهب المانويَّة والثنويَّة الفارسيَّة والبرهمية الهندية والفلسفة اليونانية وغيرها، والتي كانت سببًا أساسيًّا في نشأة علم الكلام الإسلامي وتطوره وازدهاره، عن طريق المعتزلة في أوائل القرن الثاني الهجري، ثم اتساعه على يد الأشاعرة والماتريدية وغيرها من الفرق.

أما الفكر الكلاميّ في المغرب فقد ظل دومًا تابعًا ومقلدًا لما كان يدور في المشرق، دون زيادة وابتكار في صلب المسائل والقضايا والتحديات، ويعود ذلك إلى هيمنة الفكر السلفيّ الذي يقوم على الإيمان بظواهر النصوص، وعدم التوسع في تأويلها بسبب سيطرة الفقه المالكي، والالتفاف والتمسك بمقولة الإمام مالك الشهيرة: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة».([9])

ويمكن القول: إن دراسة الفكر الكلامي لهذا المفكر الإسلامي الكبير سوف يساهم في تجلية الأسس الدينية الإسلامية التي بنى عليها ابن خلدون فكره التاريخي، كما أنها تساعد على فهم الأثر العقدي الكلامي في تكوين شخصيته العلمية، وتتفحص مدى التزامه بالفكر الكلامي الأشعري والفقه المالكي، وتبرز مدى أصالته وجدّته وإبداعه.

وعمدنا في هذه الدراسة إلى استخدام المنهج التحليلي من خلال عرض فكر ابن خلدون الكلامي، وتحليل أفكاره التي وضعها في مؤلفاته، كما أننا توسلنا بالمنهج التاريخي بغرض تتبع تتطور الفكر الكلامي تاريخيا قبل ابن خلدون وفي عصره، الأمر الذي أفاد في معرفة الأصول والمرجعيات التي أخذ عنها ابن خلدون آراءه الكلامية، فضلا عن استخدام المنهج النقدي الذي يوفر مجالا خصبا لدراسة فكر ابن خلدون للتعرف والاطلاع على ما نعتقده خطأ منهجيا وقع فيه – حسب اعتقادنا – إن وجد.

وسوف نتناول في هذه الدراسة مجمل الأفكار المتعلقة بالفكر الكلامي عند ابن خلدون من خلال التعرض إلى أهم موضوعاته، والتي تدور على البحث في تعريف علم الكلام، وبيان منهجه ووظيفته، وعلاقة علم الكلام بالتصوف، ودور العقل في مسألة المعرفة، ثم البحث في مسألة الإلهيات وعلاقة الذات بالصفات، ثم عرجنا على موضوع النبوات، وتناولنا مسألة الإمامة لتعلقها بهذا العلم الجليل، وقد ختمنا هذه الدراسة بالتعرض لأهم النتائج والأفكار التي توصلنا إليها.



أوَّلاً: تعريف علم الكلام



من المعلوم أن مباحث علم الكلام كانت مندرجة في مباحث الفقه([10])، حيث كان البحث في الدين بأحكامه يسمى فقهًا، ثم خص البحث في العقائد باسم"الفقه الأكبر" من قبل الإمام أبي حنيفة، الذي ينسب إليه كتاب «الفقه الأكبر»([11])، وبعد ذلك خصص البحث في الأحكام الفقهية وهي الفروع باسم الفقه، أما تسميته بعلم الكلام فلا يمكن الجزم بتاريخ معين لنشوء هذه التسمية([12])، ولا نجد لدى ابن خلدون ما يسعفنا في هذا الشأن، وإن كنا نعلم أن التسمية ازدهرت وانتشرت في عصر المأمون (198–218هـ)، .([13]) مع وجود تسميات عديدة لهذا العلم فهو: "علم التوحيد" أو " علم الذات والصفات" أو " علم أصول الدين" أو " علم العقائد" أو "علم النظر والاستدلال" أو "علم المقالات" أو " علم النحل" أو "علم الفقه الأكبر" ولكل من هذه التسميات ظروفها التاريخية وأسبابها العملية، ويفيد الشهرستاني أن تسمية علم التوحيد بعلم الكلام شاعت وانتشرت، بسبب الخلاف والمحنة التي دارت حول مسألة "الكلام الإلهي"([14]).

وعلى الرَّغم من كثرة المؤلفات والمصنفات الكلاميّة في القرنين الثاني والثالث، فإننا لا نظفر بتعريف محدد لهذا العلم، ومعظم التعريفات التي بين أيدينا لعلم الكلام وضعها الأشاعرة والماتريدية لاحقًا، حيث غلبت على حدودهم وتعريفاتهم نزعة استبعاد المعتزلة عن كونهم فرسان الكلام وأساتذته.([15])

فابن خلدون يعرف هذا العلم بقوله: «هو علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقليّة، والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب أهل السلف، وأهل السنة»([16]) ، وهو يتابع أئمة الأشاعرة في حد علم الكلام، وعلى رأسهم الغزالي الذي تأثر به كثيرًا، فالغزالي يؤكد أن: «"علم الكلام" مقصود حفظ عقيدة أهل السنة وحراستها عن تشويش أهل البدعة، فقد ألقى الله تعالى على عباده على لسان رسوله عقيدة هي الحق، على ما فيه صلاح دينهم ودنياهم كما نطق بمعرفة القرآن والأخبار، ثم ألقى الشيطان في وساوس المبتدعة أمورًا مخالفة، فلهجوا بها، وكادوا يشوشون عقيدة الحق على أهلها، فأنشأ الله طائفة من المتكلمين، وحرك دواعيهم لنصرة السنة، بكلام مرتب يكشف تلبيسات أهل البدعة المحدثة، على خلاف السنة المأثورة، منه نشأ علم الكلام وأهله»([17]).

وابن خلدون يتابع الأشاعرة، والغزالي على وجه الخصوص، بأن علم الكلام خاص بأهل السنة، ولا يخفى ما في هذا القول من التحيز والتعصب والقصور، فمن المعروف أن علم الكلام نشا على أيدي المعتزلة قبل ظهور الأشاعرة والماتريدية بزمن طويل، وبلغ درجة من النضج والاكتمال متوسلين بالمنطق والفلسفة، من أجل توضيح العقيدة والدفاع عنها من شبه الثنوية والملحدين، ويؤكد هذا القول الجاحظ الذي لا يخلو قوله من الافتخار والمبالغة: «أنه لولا مكان المتكلمين لهلكت العوام من جميع الأمم، ولولا مكان المعتزلة لهلكت العوام من جميع النحل»([18]).

وبحسب المصادر الكلامية التي بين أيدينا؛ فإن المعتزلة هم أول من استعملوا "الكلام" بالمعنى الاصطلاحي كما يؤكد على ذلك الشهرستاني([19])، ولعل أول من استخدمه الجاحظ الذي كان يقول مفاخرًا : «الكلام للمعتزلة، والفقه لأبي حنيفة، والبهت للرافضة، وما بقي فللعصبية»([20])، واستعمل الجاحظ الكلام بالمعنى الاصطلاحي في كتبه ورسائله، ومن ذلك قوله: «فإن كان الخطيب متكلمًا تجنب ألفاظ المتكلمين، كما أنه إن عبر عن شيء من صناعة الكلام واصفًا، أو مجيبًا أو سائلًا، كان أولى الألفاظ به ألفاظ المتكلمين إذ كانوا لتلك العبارات أفهم، وإلى تلك الألفاظ أميل، وإليها أحن وأشغف، ولأن كبار المتكلمين ورؤساء النظارين كانوا فوق أكثر الخطباء وأبلغ من كثير من البلغاء»([21]).

إن التعريف الخلدوني لعلم الكلام يظهر تحيزًا وتعصبًا واضحًا لعلم الكلام في مرحلته الثانية "فالحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقليّة" ينطبق فعلًا على المرحلة الأولى من تطور علم الكلام الذي بلوره المعتزلة.

أما "الرد على المبتدعة المنحرفين عن مذاهب السلف وأهل السنة" فهو تعريف ينطبق على علم الكلام الأشعريّ، ويكشف عن قصور وتعصب واضح ضد المعتزلة، فالادعاء بأن علم الكلام سني صرف، نشأ بعد محنة الإمام أحمد بن حنبل (ت241هـ) للرد على المعتزلة الذين يسميمهم ابن خلدون والغزالي بالمبتدعة المنحرفين في الاعتقادات، فإنه قول لا تسانده الأدلة التاريخية، وإن كانت المحنة شكلت منعطفًا أدى إلى استهجان اعتقادات المعتزلة وتسخيفها والحط منها، ورفض تراثها الكلاميّ باعتبارها شبهًا لا تنطوي على دليل صحيح.

يبدو أن ابن خلدون كان أسيرًا للرؤية الأشعريّة التي تبلورت على يدي الباقلاني، والجويني، والغزالي، والرازي، التي انطبعت في سياق الصراع والتنافس مع المعتزلة ولم يلتفت إلى التطور الذي لحق بالمذهب بعد أن خف الجدال مع المعتزلة، حيث نلحظ تعريفًا أكثر موضوعية يصبح فيه هذا العلم شاملًا لأهل السنة وخصومهم من المخالفين، كما يظهر ذلك جليًا مع عضد الدين الإيجي (ت 756هـ) الذي يعرف علم الكلام بقوله: «الكلام علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه، والمراد بالعقائد ما يقصد فيه نفس الاعتقاد دون العمل، والدينية المنسوبة إلى دين محمد عليه السلام؛ فإن الخصم وإن خطأناه لا نخرجه من علم الكلام»([22]).

وفي سياق الصراع المعتزلي الأشعريّ يعمد ابن خلدون إلى ربط هذا العلم بمؤسس المذهب أبي الحسن الأشعريّ؛ فيقول: «ولما كثرت العلوم والصنائع وولع الناس بالتدريس والبحث في سائر الأنحاء وألف المتكلمون في التنزيه، ُحدثت بدعة المعتزلة، وقضوا بنفي الصفات، وكان ذلك سببًا لانتهاض أهل السنة بالأدلة العقليّة على هذه العقائد، دفاعًا عن صدور هذه البدع، وقام بذلك الشيخ أبو الحسن الأشعريّ إمام المتكلمين)([23]).



ثانيا: وظيفة علم الكلام



يمكن القول من خلال التعريف الذي قدمه ابن خلدون لعلم الكلام، وهو تعريف لا يعتبر جامعًا مانعًا باصطلاح المناطقة، أن ابن خلدون يقصر وظيفته هذا العلم على مجرد الدفاع، وبالتالي فإنه ينفي عنه أي صفة تحصيلية، تفيد في فهم الإيمان ومعرفة الله تعالى، ولهذا فإنه يؤكد على عدم الحاجة إلى هذا العلم في عصره أي في القرن الثامن الهجري، لأن المبتدعة المنحرفين قد انقرضوا، ولأن الأئمة من أهل السنة قد وفقوا في الرد عليهم بأدلة عقلية لا مزيد عليها، فهو يقول: «هذا العلم الذي هو علم الكلام غير ضروري لهذا العهد على طالب العلم، إذا الملحدة والمبتدعة قد انقرضوا، والأئمة من أهل السنة كفونا شأنهم»([24])، كما أن هذه العلوم: «قد نفقت أسواقها في هذه الملة بما لا يزيد عليه، وانتهت فيها مدارك الناظرين إلى الغاية التي لا فوقها»([25]).

إن هذه النتيجة الخطيرة التي توصل إليها ابن خلدون تنسجم مع رؤيته الضيقة لمفهوم علم الكلام، الذي يحصره في مهمة الدفاع، حيث يشتغل المتكلم على جملة من القضايا والمسائل، الخاصة بدفع الشبهات عن الدين في إطار الصراع الداخلي بين الفرق، ويغفل عن وظائف أخرى ذكرها المتكلمون مثل التبيين حيث يجب على المتكلم أن يعني بتبيين وعرض التصورات الرئيسية التي تدور حول الله جل جلاله والصفات الإلهية، والملائكة، والنبوة والمعجزة والمعاد، وكذلك وظيفة الإثبات حيث يعمل المتكلم على إثبات مجموعة القضايا والتصديقات الرئيسة في الدين، وقد أدرك هذه الوظائف لعلم الكلام ابن الهمام (ت861هـ) الذي قرر أن علم الكلام "علم تحصيلي" وليس لمجرد الدفاع والمنافحة ومواجهة الخصوم في ظروف تاريخية محددة([26]).

يمكن القول: إن ما توصل إليه ابن خلدون يعكس بشكل دقيق الوضع الذي وصل إليه علم الكلام في عصره بشكل عام، والمغرب العربي بشكل خاص، حيث نلحظ غياب الإبداع في هذا العلم، وانتشار الملخصات والحواشي والشروح والتعليقات على ما أبدعه المتقدمون، ولعل قيام ابن خلدون بتلخيص كتاب «المُحصّل» لفخر الدين الرازي، وهو في مقتبل العمر، يدل دلالة واضحة على المستوى الذي وصل إليه هذا العلم في القرن الثامن الهجري.

يظهر ابن خلدون في «لباب المُحصّل» مقلدًا، لا يتمتع بالحد الأدنى من الأصالة والتجديد، مع وجود تعليقات قليلة على بعض المسائل عبر عنها بقوله: «فيه بعض من لبنات أفكاري([27])» وفي المقدمة لا نظفر بتقدير لهذا العلم، بل إنه يقلل فائدته، إذ يقول: «فائدته في آحاد الناس وطلبة العلم فائدة معتبرة، إذ لا يحسن بحامل السنة الجهل بالحجج النظرية على عقائدها»([28]).



ثالثا: منهج علم الكلام



إن الهدف الأساس لعلم الكلام الخلدوني ينحصر في البحث الوجودي ودلالته على الموجد، فهو يقول: «ونظر المتكلم في الوجود من حيث إنه يدل على الموجد»([29])، وليس إقامة الحجج العقليّة لإثبات صحة العقائد الإيمانية، لأن صحة العقائد قد أثبتها الشرع، فالبحث عن الحق في العقائد ليس من مهمات المتكلم، والمطلوب إنما هو البحث عن الحجج التي تعضد العقائد الإيمانية ومذهب الشرع، وهذا هو الفرق بين المتكلم والفيلسوف الذي يسعى إلى التعليل بالأدلة من خلال النظر في الوجود من حيث هو وجود.

فابن خلدون يقرر أن «نظر الفيلسوف في الإلهيات إنما هو نظر في الوجود المطلق»([30])، فالعقل لا يمكن أن يحيط بجميع الكائنات وأسبابها، أو الوقوف على تفاصيل الوجود كله، فالعقل بحسب ابن خلدون قاصرٌ عن بعض الإدراكات وذلك بسبب أن «هناك ضربًا من الإدراك غير مدركاتنا، طور فوق إدراكك ومن نطاق أوسع من عقلك، وليس ذلك بقادح في العقل ومداركه، بل العقل ميزانٌ صحيحٌ، وأحكامه يقينية لا كذب فيها، غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة، وحقائق النبوة وحقائق الصفات الإلهية، وكل ما وراء طوره فإنه طمع في محال»([31]).

فالهدف الأسمى لعلم الكلام الخلدوني هو توحيد الله، وهو أمر يعجز العقل عن إدراكه، ذلك أن التوحيد بحسب ابن خلدون هو: «العجز عن إدراك الأسباب، وكيفية تأثيرها، وتفويض ذلك إلى خالقها المحيط بها»([32])، فالعقل في مجال الإلهيات له دور يتحدد في «قبول الأمور النقليّة وتخريج طرقها وتأويل جوهرها»([33]).

يحرص ابن خلدون على التَّمييز بين منهج الكلام والفلسفة، ويعتبر أن سبب الالتباس والضلال إنما نشأ عن الخلط بين المنهجين، فالمتكلمون الأوائل حرصوا على الابتعاد عن الأقيسة المنطقية، والبراهين الفلسفية بسبب مخالفتها للشرعيات، ثم إنهم اعتمدوها في سبيل الدفاع عن العقائد بنفس حجج خصومها، حيث اختلطت المسائل والقضايا، ولعل هذا التداخل الذي حصل بين العلمين والخلط فيه المنهجين بحيث «التبست مسائل الكلام بمسائل الفلسفة بحيث لا يتميز أحد الفنَّين عن الآخر»([34])، وأمرٌ لا يمكن التَّشكيك فيه، إلا أنه حدث مع متأخرين المتكلمين كالبيضاوي (ت 685هـ)، والتفتازاني (ت791هـ)، والإيجي (ت756هـ)، والجرجاني (ت 816هـ).

إلا أن هذا الخلط كان قد حدث في فترة مبكرة - فيما يؤكد ذلك الشهرستاني - بسبب عملية الترجمة، التي ساهمت بشكل بالغ في تكوين عقلية منطقية، عملت على صياغته العقائد صياغة عقلية منطقية، فهو يقول: «طالع شيوخ المعتزلة كتب الفلاسفة حين فسرت أيام المأمون فخلطوا مناهجها بمناهج الكلام»([35]).

وإذا كان ابن خلدون قد أخرج المعتزلة من زمرة المتكلمين؛ فإنه قد غفل أيضًا عن أن هذا الخلط بين الفلسفة والكلام قد انتقل إلى متكلمي أهل السنة في القرن الخامس الهجري، حيث امتزجت مباحث الكلام بالمنطق على يد الباقلاني (ت 403هـ)، والجوبني (ت 478هـ)، والغزالي (ت 505هـ)، والفخر الرازي (ت606هـ)، والآمدي (ت 631هـ).

يمكن القول: إن ابن خلدون يتبنى هنا رأيًا ينتمي إلى المجال المغربي للأشعريَّة المالكيَّة، التي تتسم بنزعة سلفيَّة، تقترب من سلفيَّة الإمام المؤسِّس أبي الحسن الأشعريّ، الذي أعلن في كتابه «الإبانة عن أصول الديانة» ولاءه للإمام أحمد بن حنبل، وانطواءه تحت مذهبه([36])، بخلاف متأخري الأشاعرة كالرازي الذي اقترب أكثر من المعتزلة والفلاسفة.

فابن خلدون حريصٌ على عدم مخالفة النَّسق الفكري للأشعريَّة المالكيَّة في المغرب، والتي تنتمي إلى طريقة السَّلف، التي تقدّم الإيمان بظواهر النُّصوص مع تفويض متشابهها واجتناب التأويل، ويظهر ذلك جليًّا في المقدمة العقدية التي صدَّر بها الإمام عبد الله ابن أبي زيد القيرواني (ت 386هـ) رسالته الفقهية الشهيرة بـ«الرسالة» ، والتي جاء فيها: «إن الله على العرش استوى، وعلى الملك احتوى، وله الأسماء الحسنى، والصفات العلى»([37]).

وكانت الأشعريّة قد دخلت المغرب بعد وفاة أبي الحسن الأشعريّ (ت 324هـ) أواخر القرن الرابع، فيما برز في المذهب أبو بكر الباقلاني (ت403هـ) معمِّقًا لمقولاته، منظِّرًا لمنهجه؛ فبلغ علم الكلام على يديه النضج([38])، ولما كان الباقلاني مالكيًا بل إليه انتهت رئاسة المالكيين في وقته، كما يذكر القاضي عياض([39])، فقد قصده أهل المغرب في رحلاتهم العلمية، ليأخذوا منه المذهب المالكي، حيث أخذوا منه أيضًا الطريقة الأشعريّة في العقيدة، ومنذ أواخر القرن الرابع بدأ الأثر الأشعريّ يظهر جليًا في المغرب وينتشر على يد تلاميذ الباقلاني العائدين إلى القيروان من أمثال: أبي الحسن علي بن محمد القابسي (ت 403هـ) الذي أخذ المذهب بصورة غير مباشرة، وأبي عبد الله الأَذَرِيّ، وأبي طاهر البغدادي، وأبي عمران الفاسي (ت 430هـ)([40]).

ثم كثر تلاميذ هذه الطَّبقة فازدادت الأشعريّة انتشارًا وشيوعًا، وانتهت عن طريق تلميذ الفاسي أبي محمد عبد الحميد بن الصائغ (ت 486) إلى أحد أكبر أعلام المالكيَّة، وهو أبو عبد الله محمد بن علي المازري (ت 536هـ) الذي أصبح المؤصِّل الحقيقي للمذهب الأشعريّ بأفريقية، كما هو واضح في كتابه «المُعْلم بفوائد مسلم»([41]).

ولما بسطت الدَّولة الموحديَّة سلطانها على إفريقية في منتصف القرن السادس أصبح المذهب الأشعريّ هو السائد، بفضل ابن تومرت (ت 524هـ) ، وأبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي (ت 543هـ) ، حيث أخذ كلاهما عن الإمام الغزالي (ت 505هـ) ، عقب رحلتيهما إلى المشرق، وجلب أبو بكر ابن العربي معه عددًا من مؤلفات الباقلاني والجويني والغزالي.([42])

إن طريقة المتأخرين وجدت سبيلها إلى المغرب، وبدأ تأثيرها منذ أواسط القرن السابع، وذلك حينما رحل إلى المشرق بعض طلبة العلم فأخذوا عن تلاميذ الفخر الرازي ومنهجه في المزج بين العقل والنقل والكلام والفلسفة، ثم عادوا وأشاعوا هذا المنهج الذي أخذ بالانتشار شيئًا فشيئًا، حيث تأثر به ابن خلدون في بداية حياته، عندما وضع مختصرًا لكتاب المُحصّل للرازي، وأطلق عليه «لباب المُحصّل».

ويذكر ابن خلدون أن أول من أدخل هذه الطريقة إلى إفريقية هو القاضي أبو القاسم بن زيتون (ت 691هـ)، وأخذ عنه تلاميذه هذا المنهج، مثل محمد بن الحباب (ت 741هـ)، ومحمد بن عبد السلام (ت 749هـ)، وعن هذين الإمامين أخذ الإمام الشهير ابن عرفة الوَرْغٍميّ (ت 803هـ)، - وهو معاصر لابن خلدون - ألف كتابًا شهيرًا، وهو «المختصر الشامل» ، وتبنى رأيًا إيجابيًا في علم الكلام وموضوعه ووظيفته وهدفه، وهو القاضي الشهير الذي استغرب أن يتولى ابن خلدون وظيفة قاضي القضاة في مصر([43]).

ولعل عدم قدرة ابن خلدون على مجاراة ابن عرفة في علم الكلام، حملته على الحط من هذا العلم، وجعلته يتبنى موقفًا أكثر سلفيَّة يدعو فيه إلى العودة بعلم الكلام إلى سابق عهده على نحو ما كان عليه السلف من أهل السنة، وهو موقف يعتمد على النقل دون التدخل في مسالك العقل والنظر، اتساقًا مع إيمانه أن التوحيد يعني إدراك العجز، حيث يستشهد في ذلك بما رواه عن أبي القاسم الجنيد الصوفيّ من أنه مرَّ بقوم من المتكلمين يفيضون في علم الكلام، فسأل عنهم فقيل: «إنهم قوم ينزهون الله بالأدلة عن صفات الحدوث وسمات النقص، فقال: نفي العيب حيث يستحيل العيب عيب»([44]).

إن التمييز الذي يعتمد عليه ابن خلدون بين طريقة المتقدمين والمتأخرين في علم الكلام كان سائدًا في عصره، حيث نجد مثل هذا التمييز لدى شيخ الإسلام ابن تيمية، وكذلك ابن عرفة، إلا أن هذا التمييز لا يبدو دقيقًا؛ فإن القول بأن الغزالي أول من كتب على منحى المتأخرين لا يصمد أمام التاريخ، وكذلك طريقة المتقدمين الذي يعتبر إمامها الباقلاني الذي يعتبره ابن خلدون أول من وضع طريقة تقوم على اعتماد المذهب الذّري أولًا([45])، ثم على العلاقة المثبتة بين الأصول الفلسفية والعقدية، وعلى القول بأن «بطلان الدليل يؤذن ببطلان المدلول»([46]).

وبحسب ابن خلدون: انتشرت من بعد الجويني علوم المنطق في الملَّة، وقرأ الناس وفرقوا بينه وبين العلوم الفلسفية بأنه قانون ومعيار للأدلة فقط، تسبر به الأدلة، كما يسبر سواها، ثم نظروا في تلك القواعد والمقدمات في فن الكلام للأقدمين؛ فخالفوا الكثير منها بالبراهين التي أدت إلى ذلك، وربما كان كثير منها مقتبسًا من كلام الفلاسفة في الطبيعات والإلهيات، فلما سبروها بمعيار المنطق ردهم إلى ذلك فيها، ولم يعتقدوا ببطلان المدلول على بطلان دليله للطريقة الأولى وتسمى طريقة المتأخرين([47]).

فالفرق في نظر ابن خلدون بين المتقدمين والمتأخرين: أن المتقدمين يتقيدون بالمبدأ الذي وضعه الباقلاني، وهو أن «بطلان الدليل يؤذن ببطلان المدلول»، أما المتأخرين فيرفضون ذلك بعد دخول المنطق الأرسطي، ولا يبدو لي أن هذا التمييز حاسم في التفريق بين طريقتي المتكلمين، ولعل ابن خلدون أراد أن يؤكد تمسكه بطريقة السلف، والبعد عن الفلسفة، والتشنيع على أتباعها، والتنفير عن مناهجها ونتائجها، استسلامًا لمنصب القضاء ومتطلبات الفقه في عصره، أو محاولة للتَّوفيق بين موقفه السلبي تجاه علم الكلام، الذي يعبر عن موقف سلفيٍّ يشكك في قدرة العقل، واتجاه أشعري صوفي يعد العقل حجابًا يعمل على حجب المعرفة.



رابعًا: الكلام والتصوف



إذا كان العقل حجابًا يحول دون التحقق بالمعرفة، والكلام لا حاجة بنا إليه، فهل يمكن للتصوف أن يكون وسيطًا أكثر فعالية من الكلام؟

يبدو أن ابن خلدون - عبر تمييزه بين العقل والنفس - يروم حل الإشكال المعرفي بطريقة توفيقية؛ فمجال العقل مقيد بحدود الحسّ والتجربة، ومن الخطأ الاعتقاد بأن العقل قادر على الإحاطة بجميع الأسباب، والوصول إلى مسبب الأسباب، ولذلك وجب التوجه مباشرة إلى "مسبب الأسباب كلها وفاعلها وموجدها"، وهذا هو "التوحيد المطلق".

وابن خلدون بهذا ينطلق كما هو شأن الأشاعرة، من مفهوم السببية الخاص الذي يؤول إلى إلغائها، وهي النقطة التي انتقدها خصوم الأشاعرة كابن تيمية وابن رشد، إلا أن ابن خلدون يضع حدودًا للعقل كمدرك لترتيب الحوادث الخارجية، ثم يفسح المجال للنفس للتوصل إلى حقيقة أعم، تربط حوادث الكون ربطًا متسلسلًا، يحمل النفس على الاعتقاد في سبب أول هو مسبب الأسباب، وهذا عين التوحيد، الذي يجمع بين مقام العلم الذي يقدمه علم الكلام، ومقام الحال الذي يقدمه التصوف، والأول وسيلة لبلوغ الثاني.

فعلم الكلام عاجز عن بلوغ "التوحيد المطلق"، فحقيقة ذات الله وصفاته لا تدرك بالعقل المقيد في حدود الحس والتجربة، ومعرفة الله حق المعرفة لا تكون إلا بالنفس التي يشتغل بها التصوف لحصول "المشاهدة" والاتصال المباشر مع الحقيقة الإلهية.

يرى ابن خلدون أن التصوف يتوافق مع ما يمتاز به الإنسان من انتماء متردد بين العالم الطبيعي والعالم فوق الطبيعي، فالإنسان بما لديه من "لطيفة ربانية" وهي النفس يتشوف وينزع إلى عالم الغيب عن طريق الرؤيا، أو الحدس أو الوحي؛ فالإنسان بطبيعته متصوف، والسبب في تأخر ظهور التصوف في السلف إنما كان بسبب قرب الأنوار النبوية، ولم تكن النفوس بحاجة إلى جهد إضافي، لكي تصفو، ومع ظهور البدع والاختلاف جاء التصوف كرد فعل لنفوس تسعى إلى إنقاذ صفائها.

إن التصوف الذي يأخذ به ابن خلدون مقيد بحدود الشرع، ولا يخرج عن حدود التصوف السني المعتدل، ويظهر ذلك جليًا من خلال التعريف الذي يقدمه، وكذلك المصادر التي يعتمد عليها في «شفاء السائل» كـ«الرعاية» للمحاسبي، و«الرسالة» للقشيري، و«الإحياء» للغزالي، و«روضة التعريف» لابن الخطيب([48]).

وينكر ابن خلدون نمط التصوف الباطني ويحمل عليه بشدة، واصفًا إياه بالبدعة والضلالة، ويهتم بشكلٍ أساسيّ بغلاة المتصوفة من الأندلسيين، ومعظمهم من أتباع ابن العريف في المرية التي كانت تشكل مركزًا للتصوف الباطني، كما يذكر أسن بلاثيوس في الأندلس.

وتناول ابن خلدون في «المقدمة» و«شفاء السائل»، متصوفين من أتباع ابن العريف بالنقد الشديد، وفي مقدمتهم ابن قِسِّي وابن عربي، متهمًا إياهم بالكفر لقولهم بالحلول([49]).

إن الفشل الذريع لعلم الكلام - بحسب ابن خلدون - ينبع من عجزه عن تحصيل اليقين في قضايا ما وراء الطبيعة، أما التصوف الذي يتوسل بالنفس وليس العقل، فهو قادر على تحصيل ذلك، فالنفس جزء لا يتجزأ من عالم ما وراء الطبيعة، إلا أنها لا تستطيع أن تنقل إلى عالم الطبيعة ما تشاهده في عالمها، وإنما يحصل لها إدراك ذاتي"وهي عين المشاهدة التي يرومها التصوف، ولذلك لا يطلب تفصيل القول بمشاهدة النفس فذلك مستحيل، وإنما المطلوب هو شرح الكيفية التي تحصل بها المشاهدة.

وهي كما يقول ابن خلدون: «سبب هذا الكشف أن الروح إذا رجع عن الحس الظاهر إلى الباطن ضعفت أحوال الحس وقويت الروح، وغالب سلطانه وتجدد شوقه، وأعان على ذلك الذكر، فإنه كالغذاء لتنمية الروح، ولا يزال في نمو وتزيُّد إلى أن يصير شهودًا بعد أن كان علمًا، ويكشف حجاب الحس ويتم وجود النفس الذي لها من ذاتها، وهو عين الإدراك، فيتعرض حينئذ للمواهب الربانية والعلوم اللدنية والفتح الإلهي، وتقرب ذاته في تحقق حقيقتها من الأفق الأعلى، أفق الملائكة، وهذا الكشف كثيرًا ما يعرض لأهل المجاهدة فيدركون من حقائق الوجود ما لا يدركه سواهم، وكذلك يدركون كثيرًا من الواقعات قبل وقوعها، ويتصرفون بهممهم، وقوى نفوسهم في الموجودات السفلية، وتصير طوع إرادتهم»([50]).

من الواضح تمامًا أن هذه النتيجة التي توصل إليها ابن خلدون، تنسجم تمامًا مع رؤيته للوجود ومراتب العلوم، حيث هناك ثلاثة أنواع ممكنة من المعارف:

أولًا: المعارف العقليّة التي تصدر عن الحس والتجربة، وتعتمد على الخبرة اليومية المباشرة، فإذا كانت عبارة عن تصورات فهي من عمل "العقل التمييزي" وإذا كانت تفيد الترتيب بين الحوادث فهي من عمل "العقل التجريبي" وإذا كانت قائمة على الجمع بين التصورات والتصديقات فهي من إنتاج "العقل النظري"، الذي يمثل أعلى مراتب الفكر الإنساني.

ثانيًا: معارف نفسانية تصدر عن الوحي، وتختص بالأنبياء والرُّسل.

ثالثًا: معارف نفسانية تصدر عن الرِّياضة وتحصل بالاكتساب، ولا مدخل فيها للوحي، وتنقسم إلى ثلاثة أنواع: معارف المتصوفة، ومعارف الكهان، ومعارف الرؤيا الصحيحة([51]).

إن الكشف والمشاهدة التي تحصل للسَّالك من "أهل المجاهدة" لا تتم بإرادته، فالتجربة الصوفيّة التي تبلغ مرتبة "الكشف" هي ذاتية لا تقبل النقل والتَّوصيل، فهي عبارة عن "ذوقٍ" لا تستطيع اللغة التعبير والإفصاح عنه؛ لأن اللغة إنما استقيت من المحسوسات، أما الكشف فيستقي معارفه من عالم ما وراء الحس، فاللغات بحسب ابن خلدون" لا تعطي دلالة على مرادهم منه، لأنها لم توضع إلا للمتعارف، وأكثره من المحسوسات([52]).

وبهذا فإن علم الكلام يقف عاجزاَ لتعلقه بالحس والتجربة ولا سبيل إلى تحصيل المعارف الإلهية سوى بالالتجاء إلى النفس التي تعلو مرتبتها العقل، وتتجاوزه في تحصيل اليقين والمعرفة الحقة التي هي أساس التوحيد، فالعجز عن الإدراك إدراك، ولذلك جاء حكم ابن خلدون بفشل علم الكلام وإخفاقه لطلبه أمورًا تقع فوق طاقة العقل، وإمكاناته المقيَّدة.



خامسًا: العقل والمعرفة



تعتبر نظرية المعرفة ومسألة العقل أحد أهم الأركان النظرية التي يتشكل منها علم الكلام الإسلامي، إذ يحرص المتكلمون على البدء به في مصنفاتهم؛ فالمقرر أن المعرفة هي غاية النظر العقلي للوصول إلى اليقين في إثبات العقائد، ولذلك فقد أطلق على علم الكلام "علم النظر والاستدلال"، وقد تعددت مسالك المتكلمين في العقل والمعرفة؛ وينتمي ابن خلدون في نظرته إلى العقل إلى المنهج الاسمي الواقعي، ويرفض مجمل الأفكار القائلة بفطرية المعرفة، فالعقل صفحة بيضاء، ويكتسب معارفه من خلال التجربة والواقع، ويستند في تقريره إلى أدلة نقلية انطلاقًا من قوله تعالى: "وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة" [النحل: 78]([53])، وكذلك قوله تعالى : " اقرأ بسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم".

فالإنسان يكتسب من «العلم ما لم يكن حاصلًا له، بعد أن كان علقةً ومضغةً، فقد كشفت لنا طبيعته وذاته ما هو الجهل الذاتي والعلم الكسبي»([54])، فالعلاقة بين الأفكار والأشياء تتم عقب التجربة وليست فطرية قبلية.

ويرفض ابن خلدون اعتبار العقل والنفس من عالم مفارق، كما يرى أفلاطون، أو اعتبار النفس جوهرًا يختلف عن الجسد كما يرى أرسطو، «الملكات كلها جسمانية سوءا كانت في البدن أو في الدماغ من الفكر»([55])، ولا طاقة للعقل بإدراك الأسباب والإحاطة بها، كما يرى الفلاسفة الذين زعموا «أن الوجود كله الحسي منه وما وراء الحسي، تدرك ذواته وأحواله بأسبابها وعللها بالأنظار الفكرية، والأقيسة العقليّة»([56]).

فابن خلدون يشدد على عجز الإنسان، ويؤكد على قصور مداركه إذ يقول: «ولا تَثِقَنََّ بما يزعمه لك الفكر من أنه مقتدر على الإحاطة بالكائنات وأسبابها، والوقوف على تفصيل الوجود كله،.. واعلم أن الوجود عند كل مدرك في بادئ رأيه منحصر في مداركه لا يعدوها» ([57]).

يحمل ابن خلدون على الفلاسفة الذين وثقوا في العقل في دراسة الطبيعة، وذلك بسبب اعتقادهم أن العقل قادر على معرفة الوجود (الحسي) ومعرفة ما يتجاوز الحس.

وسبب خطأهم ينبع من تطبيق جملة الأحكام المتعلقة بالجسم الطبيعي على الأجسام السماوية، على الرغم من اختلاف الجسمين([58]) كما ذهب إلى ذلك الكندي والفارابي وابن سينا، ولرسوخ اعتقادهم بالمنهج العقليّ، والأقيسة المنطقية.

ويذهب ابن خلدون إلى أن معرفة الطبيعة تتم عن طريق الواقع والتجربة، حيث أفرد فصلا في المقدمة عن العقل التجريبي، فالمنهج الخلدوني استقرائيٌ، يبدأ بالواقع الحسي، ويعنى بالتجربة ثم يجمع الظواهر للتوصل إلى أحكام عامة عن طريق القياس، وبهذا يتوصل العقل إلى معرفة العلل والأسباب التي تربط الأجزاء، فالمعرفة الإنسانية، تنطلق من التمييز، فالتجريب ثم النظر، وهو بهذا يتجاوز الغزالي، ويتعقب ابن رشد كاشفًا حدود البرهان الصناعي الذي توسل به الفلاسفة، في تحصيل مقاصدهم في الطبيعيات والإلهيات، ويؤكد على أنه لا يقين في مطابقة النتائج المستخرج من البراهين المتعلقة بالحقائق الخارجية، نظرًا لاختلاف الموجود بين المجرد الكلي والمشخص المادي.

ولذلك يلجأ ابن خلدون إلى ما أطلق عليه"الفكر الطبيعي" باعتباره فطرة إلهية بينما البرهان المنطقي صناعة إنسانية مكتسبة، فالفكر الطبيعي يخلو من "الحجب" التي تعطل الاستدلال بسبب الإغراق في المناقشات، والوقوع في الشبهات([59])، كما أن الفكر الطبيعي أصل للبرهان المنطقي([60])، ويؤكد ابن خلدون أن النظر في مسائل الطبيعيات بالتصحيح والبطلان، «ليس من موضوع علم الكلام ولا من جنس أنظار المتكلمين»([61]).

أما في كتابه «لباب المُحصّل» فهو يتابع الرازي بشكل خاص، والأشاعرة بشكل عام في تقسيم الوجود إلى واجب الوجود لذاته، وهو الله. وممكنٌ وهو ما عداه، ويقسم الحوادث إلى حال ومحل، ومدبر لهما ينطبق على العقل والنفس، والمحل هو الموضوع أو الهيولى التي يحل فيها الحال، والطبيعة تنقسم عنده إلى موضوع هو مادة، أو هيولى تتشكل بالأعراض، ويقابل العرض المقولات الأرسطية، فالمحل هو الجوهر، والأعراض هي المقولات التي تلحق بالجوهر؛ كالزمان والمكان والكم والكيف والوضع والإضافة والملك والفعل والانفعال([62])، كما أن الطبيعة مركبة من موجودات، وكل موجود مركب، وتتكون الطبيعة من أجسام مركبة من الجواهر والأعراض، حيث تبنى ابن خلدون في «لباب المُحصّل» نظرية الجوهر الفرد أو الجزء الذي لا يتجزأ([63]).

ويظهر ابن خلدون في هذا الكتاب الذي لم يذكره في مؤلفاته مقلدًا للنسق الأشعريّ، إذ لا نجد فيه أصالة وتجديدًا، وإنما تكرار لما ذهب إليه الرازي، الأمر الذي جعل البعض يتشكك في نسبة الكتاب إليه([64])، وقد أثارت مسألة السببية جدلًا واسعًا لدى دارسي فكر ابن خلدون بسبب الغموض الذي يهيمن على خطابه الكلاميّ والطبيعي فقد وصفه عمر فرّوخ بالتناقض بسبب ميله إلى الأشاعرة تارةً وإلى الاستقلال تارة أخرى([65])، وينسبه الدكتور على الوردي إلى الأشاعرة، ويرى أن مذهبه في السببية امتداد لرأي الغزالي([66]).

وذهب طه حسين إلى وضع ابن خلدون ضمن القائلين بالحتمية والضرورة السبيبية([67])، ولعل السبب في هذا الخلاف هو تردد ابن خلدون بين علم الكلام والتصوف، فعلى مستوى الطبيعية نجده يؤكد فعالية الأسباب؛ لأن الله قد جعل العالم كله «بما فيه من المخلوفات كلها على هيئة من الترتيب والإحكام، وربط الأسباب بالمسببات واتصال الأكوان بالأكوان»([68])، أما بخصوص الأسباب والعلل البعيدة فإن ابن خلدون يحصرها في نطاق النفس التي من شأننا إدراك الأسباب؛ فالأسباب لا تزال ترتقي حتى تنتهي إلى مسبب الأسباب وموجدها وخالقها سبحانه لا إله إلا هو([69])، فالعقل عاجز في مجال المعرفة الإلهية، وإنما يحيط علمًا في الغالب بالأسباب التي هي طبيعية ظاهرة، ويقع في مداركها على نظام وترتيب([70])، وإذا تجاوزت الأسباب نطاق الطبيعة فإن العقل لا يمتلك القدرة بالكشف عن الأسباب «فلعل الأسباب إذا تجاوزت في الارتقاء نطاق إدراكنا ووجودنا خرجت عن أن تكون مدركة فيضل العقل في بيداء الأوهام، ويحار وينقطع» ([71]).

وينصح ابن خلدون الإنسان بأن يسلم بعجزه عن إدراك الأسباب، وكيفيات تأثيرها، ويطلب تفويضها إلى خالقها المحيط بها([72])، فقد يقف الناظر عند حلقة من السلسلة ويظنها منتهى الأسباب، وينكر ما ورائها؛ فيكون قد أنكر مسبب الأسباب وخالقها، ويصير من الضالين الهالكين([73]).

وعلى الرغم من حرص ابن خلدون على التنبيه على التأثيرات المتبادلة بين الأشياء في الوجود إلا أنه يقرُّ بأن «تأثير هذه الأسباب في كثير من مسبباتها مجهول، ولأنها إنما يوقف عليها بالعادة والاقتران الشاهد بالاستناد إلى الظاهر، وحقيقة التأثير وكيفيته مجهولة»([74])، ولعل هذا النص من أكثر نصوص ابن خلدون وضوحًا في موضوع السببية، وهو يتطابق مع المنظور الأشعريّ، ولا يخرج عنه في فهم دور العقل في مجال المعرفة وقصوره وعجزه.



سادسًا: الإلهيات بين الذات والصفات



يقوم ابن خلدون في كتابه «لباب المُحصّل» ، بإثبات وجود الله بطريقتي الحدوث والإمكان([75])، وهو يتابع الرَّازي ومتأخري الأشاعرة، أما في المقدمة فإنه يبدي موقفًا أكثر انفتاحًا، وأشد صرامة ينسجم مع الموقف الأشعريّ المالكي المغربي، ويمزج بين الموقف الكلاميّ والصوفيّ والسلفيّ، فالله قديمٌ لا أوَّل له، «ولا يوجد في الزَّمان، ولا ينطبق عليه الزمان بأقسامه الماضي والحاضر والمستقبل»، كما في «لباب المُحصّل»([76]).

أما في المقدمة فإنه يحصر طرق معرفة الذات الإلهية وإثبات قدمها، بالطريق النقليّ دون العقليّ، فهو يقول: «اعلم أن الشَّارع لما أمرنا بالإيمان بهذا الخالق، لم يعرفنا بكنه حقيقة هذا الخالق المعبود، إذ ذلك متعذّرٌ على إدراكنا، ومن فوق طورنا»([77])، فالعقل الإنسانيُّ عاجزٌ كما قرِّر ابن خلدون سابقًا، ولذلك فإن الاقتصار على القرآن الكريم، وما ورد فيه من أدلَّة كافيةٍ، ولا مطمع للعقل في إدراك ذلك، وهو يتابع في هذا السَّلف من أهل السُّنة، ويورد قول أم سلمة عندما سئلت عن بعض الأمور الإلهية: فقالت: «آمنا وصدقنا» ويذكر قوله تعالى: }وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ{ [آل عمران: 7]([78])، ويعتمد على قوله تعالى : }لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا{ [الأنبياء: 22]، وهو الدليل الذي عُرِف لدى المتكلمين، بدليل التَّمانع، وهذه طريقة قرآنية لإثبات وحدانيَّة الذَّات الإلهيَّة، فهو يقول: «توحيده بالإيجاد، وإلا لما يتم الخلق للتمانع»([79]).

أما بخصوص الصفات الإلهية فإن ابن خلدون يرى أن سبب الخلاف بين الفرق الإسلامية يرجع إلى أمرين:

اختلاف المناهج المتبعة، والآيات المتشابهات؛ فهو يقول: «اعلم أنه عرض بعد ذلك خلاف في تفاصيل هذه العقائد، أكثر مثارها من الآي المتشابهة، فدعا ذلك إلى الخصام والتَّناظر والاستدلال بالعقل» ([80])، ويقرِّر ابن خلدون وجود نمطين من الآيات في القرآن الكريم في بيان الصفات الإلهية تدور بين التنزيه والتشبيه، تنطويان على آيات محكماتٍ، وأخر متشابهات، «وذلك أن القرآن ورد فيه وصف المعبود، بالتنزيه المطلق، الظاهر الدلالة، من غير تأويل في آي كثيرة، وهي سلوب كلها، وصريحة في بابها. ثم وردت في القرآن آي أخرى قليلة توهم التشبيه مرةً في الذات ومرة في الصفات»([81]).

ينصر ابن خلدون مذهب أهل السنة والسلف في مسألة الذات والصفات، ويستند إلى قولهم: «"أقروها كما جاءت([82])"، أي آمنوا بها وبأنها من عند الله، ولا تتعرضوا لتأويلها وتفسيرها؛ لجواز أن تكون ابتلاءًا فيجب الوقوف والإذعان»([83])، ويحمل بشدة على المشبهة والمجسمة الذين بالغوا في الإثبات، ويشن حملةً شعواء على دعاة التنزيه وخصوصًا المعتزلة الذين بالغوا في التنزيه، فوقعوا في التَّعطيل، ولذلك فإنه يكيل المديح والثناء إلى مذهب السَّلف المُفَوِّضة، ويرى أن القرآن امتدحهم ووصفهم بقوله: }وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ{ [آل عمران/ 7] وهذا ينطبق كما يرى على أهل السنة.

«ولهذا جعل السَّلف (والراسخون) - مستأنفًا - ، ورجَّحوه على العطف، لأن الإيمان بالغيب أبلغ في الثناء، وقالوا: إن جاءنا من الله فوَّضنا علمه إليه، ولا نشغل أنفسنا بمدلول نلتمسه فلا سبيل لنا إلى ذلك»([84])، ويدخل إلى هذا الاتجاه الممدوح فرق الصِّفاتيَّة وأمثالها؛ كعبد الله بن سعيد بن كُلَّاب، وأبو العباس القَلَانِسِيّ، والحارث بن أسد المُحَاسِبِيّ، وهؤلاء بحسب ابن خلدون من أتباع السَّلف، وعلى طريقة أهل السُّنة حيث أثبتوا الصِّفات القائمة بذات الله تعالى من العلم والقدرة والإرادة، وكان مذهبهم إثبات الكلام والسَّمع والبَصر([85]).

ويثبت ابن خلدون الصِّفات الخبريَّة، ولا يرى في تأويلها منهجًا سديدًا، لأنَّ ذلك واقعٌ فوق طور العقل ومجال إدراكاته.



سابعًا: النُّبُوَّة والإمامة



يذهب ابن خلدون إلى أن النبوة إنما هي: اصطفاءٌ من الله تعالى، ولا مدخل فيها للاكتساب كما يرى الفلاسفة، وهو بذلك لا يخرج عن حُدُود المذهب الأشعريّ السُّنيّ، فهو يقول: «اعلم أن الله سبحانه اصطفى من البشر أشخاصًا، ففضلهم بخطابه، وفطرهم على معرفته، وجعلهم وسائل بينه وبين عباده»([86])، والنبوة فطرة للنفوس البشرية يصطفي الله بها من يشاء من عباده ليكون نبيًّا دون اكتساب أو اجتهاد، ولا استعانة بشيءٍ من المدارك، ولا من التصورات، ولا من الأفعال البدنية كلامًا أو حركة ولا بأمر من الأمور، وإنما هو انسلاخ من البشريَّة إلى الملكيَّة بالفطرة([87])، فالأنبياء عليهم السلام لهم نفوسٌ تتمتَّع بخاصيَّة الاستعداد لمعرفة الربانية، ومخاطبة الملائكة عن الله سبحانه وتعالى([88]).

ويرى ابن خلدون أن النبوة ضروريَّةٌ لما تحقِّقُه من فوائد ومنافع اجتماعيَّة وأخلاقيَّة وسياسيَّة وعلميَّة ودنيويَّة وأخرويَّة، وهذه الفوائد وإن كان العقل قادرًا على الوصول إلى بعضها، إلا أنه عاجزٌ عن الوصول إلى جميعها، فاحتاج إلى النَّبي، ولهذا يقرِّر ابن خلدون أن «فوائد البِّعثة إنما فيما يستقل العقل بإدراكه.. أما فيما لا يستقل العقل به فنعرف ما لا يتوقف عقله عليه»([89])، وفائدة النُّبوة أنها تُعين الإنسان على معرفة الله وصفاته التي لا يستقل العقل بإدراكها ومعرفتها، وكذلك معرفته الحسن والقبح، وإزالته خوف المكلّف، أو معرفة طبائع الأدوية، ودرجات الفلك، أو إزالة التنازع الناشئ عن الاجتماع أو عن فرض الشرائع، والتَّعصب لها، أو لتعليم الصنائع والأخلاق السياسية.

يفرق ابن خلدون بين النَّبي والرَّسُول من خلال مفهوم الوحي، فالرَّسول هو من يوحى إليه، أما النبي فلا يتوافر على ذلك، ولذلك فمرتبة الرسول أعلى من النَّبي، ومع أن كليهما يُأتي بالنبأ والإخبار، إلا أن النَّبي تأتيه على شكل رؤيا وإلهام، أما الرَّسول فيأتيه الإخبار والإنباء بصورةٍ واضحةٍ ممثّّلة في الوحي الذي يلقى عليه كلامًا واضحًا بيِّنًا([90]).

ويمكن التَّعرف على النُّبوة من خلال عددٍ من العلامات، كالوحي والعصمة، وهي بحسب ابن خلدون: «حُصُول ملكةٍ الصِّفة في النَّفس مع العلم بالثَّواب والعقاب، وتتابع البيان من الله عزّ وجل وخوف المؤاخذة»([91])، وهي صفةٌ لا تحصل بالاكتساب، تمنع المعصوم من فعل القبيح، ويمكن التَّعرف على صفات صاحب العصمة من خلال تحليه بالعبادة والصِّدق والعفاف كما يتحلى بـ«الخير والزَّكاة ومجانبة المذمومات والرِّجس أجمع، وهذا هو معنى العصمة، وكأنه مفطورٌ على التنزه عن المذمومات؛ كأنها منافيةٌ لجبلته»([92])، ولعلَّ أهمَّ الصِّفات التي يذكرها ابن خلدون للنُّبوة وينفرد بها عمن سبقه من المتكلمين هي (العصبية)، ولا يخفى ما لهذه الصِّفة من أثرٍ في تكوين منهجه التاريخيّ العمراني، فهو يؤكِّد على أن النبي لا بدَّ أن يبعث في منعةٍ من قومه أو في ثروة فيقول: «ومن علاماتهم أيضًا أن يكونوا ذوي حسب في قومهم، وفي الصحيح: «ما بعث الله نبيًا إلا في منعةٍ من قومه» وفي رواية أخرى «في ثروة في قومه» ومعناه: أن تكون له عصبةٌ وشوكةٌ، تمنعه من أذى الكفار حتى يبلغ رسالة ربه، ويتم مراد الله من إكمال دينه وملته»([93])، وقد بحث ابن خلدون مسألة النبوة في فصل خاص في «المقدمة» بعنوان: «إن الدعوة الدِّينية من غير عصبية لا تتم» أكدَّ فيه على ضرورة توافر عنصر العصبيّة للنبي، حتى يتمكن من نشر دعوته، لأن الملك إنما يحصل بالتغلب، والتغلب إنما يكون بالعصبة([94]).

أما بخصوص المعجزة فقد أفاض ابن خلدون في عرض المذاهب المختلفة بخصوصها، واعتبر أن هذه العلاقة دليل اتفاق عند الكثيرين على صحة النبوة، لأن الأنبياء والرسل معرضون للأسئلة من قومهم، فأجرى الله على أيدي أنبيائه ورسله خوارق ومعجزات ليست في مقدور البشر.

فالمعجزة بحسب ابن خلدون، «وقوع الخوارق، وهي أفعال يعجز البشر عن مثلها، فسميت بذلك معجزةً»([95])، ويعرفها في «لباب المُحصّل» بقوله: «وهي أمر خارقٌ للعادة مع التحدي وعدم المعارضة»([96])، أما الخوارق فقد تأتي من الأنبياء أو غيرهم، وتسمى كرامة أو سحرًا أو غيره، ولذلك فإن للمعجزة شرطين؛ الأول: إثبات الخوارق، والثاني: التحدي، إلا أن «التّحدي هو الفارق بين المعجزة وبين الكرامة والسحر»([97]).

ويعتبر ابن خلدون أن أعظم المعجزات، وأشرفها، وأوضحها دلالة، هي القرآن الكريم، لأن معجزته كانت هي نفسها الوحي، وهو خارقٌ معجز، ولا يفتقر إلى دليل مغاير كسائر المعجزات مع الوحي، فهو أوضح دلالة لاتحاد الدليل والمدلول، وهذا معنى قوله e: «ما من نبي من الأنبياء إلا وأوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحي إليَّ، فأنا أرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة»([98]).

فمعجزة الإسلام الأولى هي القرآن الكريم، وما أوتي النبي e من معجزات أخرى، إنما هو تكملة وليست أساسية، ولذلك قال ابن خلدون «المعتمد القرآن وغيره تكملة»([99])، ويعتبر ابن خلدون القرآن معجز بنظمه ومعناه كسائر أهل السنة، كما أن فيه إخبارًا عن المستقبل، ولأن البشر عجزوا عن الإتيان بمثله أو سورة منه، كما أنه صدر بإعجازه عن أميّ يجهل القراءة والكتابة، والتي يعتبرها ابن خلدون أميّة كمال لا نقص، وذلك لتنزهه عن الصنائع العملية التي هي أسباب المعاش والعمران كلها([100])، وربما يخالف ابن خلدون بهذا الرأي ما هو معروف من سيرة الأنبياء حيث كانوا جميعًا من أصحاب الحرف والصنائع والمهن العملية، ويرى ابن خلدون أن الأنبياء أفضل من الملائكة كما هو شأن أهل السنة عمومًا([101]).



الإمامة



من المعلوم أن مبحث الإمامة عند متكلمي أهل السنة أصبحت أحد مباحث علم الكلام، ولا يكاد يخلوا مصنف من التطرق إلى هذا الباب، مع الإقرار بأن الإمامة من مسائل الفروع وليس الأصول إلا أنهم اضطروا إلى إدراج الإمامة في مباحث أصول الدين وعلم الكلام، للرد على فرق الشيعة الذين جعلوها من أركان الدين، ثم أصبحت هذه المسألة أحد المباحث الرئيسة والأساسية في علم الكلام، وقد سار على هذا النهج ابن خلدون في عرضه لعلم الكلام، إذ يتفق ابن خلدون مع الرؤية الأشعريّة لمسألة الإمامة ويعتبرها من مسائل الفروع نافيًا أن تكون من الأصول، ويرد على الشيعة بقوله: «شُبة الإمامية .. إنما هي كون الإمامة ركنًا من أركان الدين كما يزعمون، وهي ليست كذلك»([102])، ومع أن ابن خلدون يلتزم بقول الأشاعرة ولا يخرج عنهم في معظم المسائل، إلا أن آراءه المتعلقة بالإمامة تتسم بالواقعية، نتيجة اهتمامه الأساسي بالتاريخ وعلم العمران، ويؤكِّد على الصلة بين الدين والسياسة في الإسلام؛ فالخلافة خاصةٌ بالسياسة، والإمامة خاصة بالدين، وإن كان المعنيان مترادفين، ذلك لأن السياسة في ذلك الوقت كانت تتحرك بنوازع دينية، والخليفة كان يباشر مهامه السياسية والدينية معًا، ولذلك قالوا: إن «الإمامة هي أخت الخلافة»([103]).

وبخصوص التسمية فإن ابن خلدون يرى أن الإمامة نسبت إلى أبي بكر الصديق؛ لقيامه بالصلاة بدلًا عن النبي e، فقال: «جاء تشبيهه بإمام الصلاة في اتباعه والاقتداء به، وأما تسميته خليفةً فلكونه يخلف النبي في أمته، فيقال: خليفة بإطلاق، أو خليفة رسول الله»([104]).

والإمامة ضروريةٌ يحتاج إليها المجتمع، فالمُلك منصبٌ طبيعي للإنسان، لأن البشر لا تتيسر حياتهم ووجودهم إلا بالاجتماع، والتعاون على تحصيل القوت وضرورياتهم، والاجتماع يقتضي بالضرورة الحاجة إلى المعاملات وقضاء الحاجات، فيؤدي إلى التنازع والاختلاف لما في البشر من طبيعية حيوانية من ظلم وعدوان، فيقع «التنازع المفضي إلى المقاتلة، وهي تؤدِّي إلى الهرج وسفك الدماء، وإذهاب النفوس، المفضي ذلك إلى انقطاع النوع، وهو مما خصه الباري سبحانه بالمحافظة، واستحال بقاؤهم فوضى دون حاكم يزع بعضهم عن بعض، واحتاجوا من أجل ذلك إلى الوازع وهو الحاكم عليهم، وهو بمقتضى الطبيعة البشرية الملك القاهر المتحكم»([105]).

وينقسم الملك عند ابن خلدون إلى ثلاثة أنواع: طبيعي وسياسي وخلافة، فالملك الطبيعي هو حمل الكافة على مقتضى الغرض والشهوة، والسياسي هو حمل الكافة على مقتضى النظر العقليّ في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار، والخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجع إليها، إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي على الحقيقة «خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا»([106])، ولهذا فإن نمط الخلافة هو المفضل لابن خلدون، ذلك لأنه يجمع محاسن الدنيا والآخرة.

ويرى ابن خلدون أن الإمامة واجبة شرعًا، إلا أنها لا تعتبر ضمن عقائد الدين، وإنما هي وظيفة دينية اجتماعية من أجل صلاح المجتمع وتنظيم أموره، «فالاجتماع ضروريٌّ للبشر، ومقتضاه التغلب والقهر اللذان هما من آثار الغضب والحيوانية، فوجب أن يرجع في ذلك إلى قوانين سياسية مفروضة يسلمها الكافة وينقادون إلى أحكامها»([107])، ولذلك فقد قرر ابن خلدون رأي أهل السنة بقوله: «قال جمهور أصحابنا والمعتزلة: إن الإمامة واجبةٌ سمعًا»([108])، وردّ على القائلين بأنها واجبة عقلًا كالشيعة، وبعض المعتزلة فضلًا عن القائلين بعدم وجوبها أصلًا كالأصمّ من المعتزلة وأغلب الخوارج.

ويحصر ابن خلدون طرق اختيار الإمام وتعينه عند المسلمين بطريقتين؛ النَّص، والاختيار، قال بالنَّصّ الشِّيعة الذين اتفقوا على أن الإمامة ليست من المصالح العامة التي تفوض إلى نظر الأمة، وإنما هي ركنٌ من أركان الدين، لا يجوز إغفالها من قبل النبي، بل يجب عليه تعين الإمام، وهو ما فعله النبي e بالنَّصِّ على إمامة عليّ بن أبي طالب، كما ترى الشيعة.

ويشير ابن خلدون إلى اختلاف الشيعة في هذا النص والذي يدور بين القول بالنصّ الجليِّ الواضح، والقول بالنصّ الخفيّ المُرمّز، وينتقد ابن خلدون كلا الاتجاهين، فلو كان النص جليًّا لما حدث اختلاف بينهم، ويرفض القول بالنص الخفي، لاعتماده على تأويلات مسرفة غير صحيحة، وأحاديث موضوعة، ولذلك يقول: بأن هذه النصوص كانوا «ينقلونها ويؤولونها على مقتضى مذهبهم، لا يعرفها جهابذة السنة ولا نقلة الشريعة، بل أكثرها موضوع أو مطعون في طريقه، أو بعيد عن تأويلاتهم الفاسدة»([109]).

كما عارض الشيعة في مسألة العصمة، أما الاختيار فهو رأي جمهور الأمة من السنة والمعتزلة والخوارج.

أما بخصوص الشروط التي يجب أن تتوافر في الإمام فإن ابن خلدون يحصرها في أربعٍ وهي: «العلم، والعدالة، والكفاية، وسلامة الحواس والأعضاء، مما يؤثِّر في الرَّأي والعمل».([110])

ويرفض شرط العصمة الذي أوجبه الشيعة، والقرشية التي أجمع معظم فقهاء السنة ومتكلميها على أنها واجبةٌ، استنادًا إلى حديث «الأئمة من قريش»([111]).

وينسجم ابن خلدون في رفضه لهذا الشرط مع رؤيته لطبيعة العمران والدولة، ويستند رفضه لهذا الشرط على عدم توفر الإجماع بخصوصه([112])، ويرى أن المسلمين اعتمدوا هذا الشرط لظروف معيَّنة لم تعد صالحة بسبب «ضعف قريش، وتلاشي قوتهم، وتغلب الأعاجم عليهم، وصار الحل والعقد لهم»([113])وينسب ابن خلدون هذا الرَّأي إلى الباقلاني، ولعل الشرط الذي ينفرد به ابن خلدون في وجوب توفره في الإمام هو "العصبية"([114]) وهو أحد المفاهيم المؤسسة للخطاب الخلدوني في علم العمران والتاريخ الإسلامي.



الخاتمة والنتائج:



يبدو أن من نافلة القول، التأكيد على المكانة الرفيعة التي حظي بها ابن خلدون شرقًا وغربًا، فمنذ أكثر من قرنٍ ونصف تتكاثر الدراسات الخلدونية مشكِّلةً حقلًا من الدراسات المتباينة الأغراض والمقاصد، فمن المعروف أن هذا العلامة الكبير اكتُشف من طرف الغرب في لحظة المغامرة الاستعمارية، ضمن سياقات الهيمنة والسيطرة والإخضاع، في حدود القرن التاسع عشر، وجرى التعرف عليه من خلال ترجمة الجزء المتعلق بـ«تاريخ البربر» وفق قراءةٍ تجزيئية مارست أسوأ أنواع الطمس والاستغلال المرتبط بالعملية الاستعمارية.

وفي بداية القرن العشرين شهدت الدراسات الخلدونية نقلةً حقيقية، بعد أن أخذت «المقدمة» الصدارة بدلًا من «تاريخ البربر»، حيث نجد نمطًا جديدًا من الخطاب الغربي، يعمل على إعادة دمج واستيعاب ابن خلدون منهجيًّا في سياق التاريخ الكوني الغربي، باعتباره أحد العبقريات العقلانية والحداثية التي ظهرت في بيئة تتسم بالانحطاط والجمود والتخلف، فابن خلدون يمثل الاستثناء الذي يثبت القاعدة بحسب الرؤية الاستشراقية، ومجمل الإنتاج الأيديولوجي الذي طوره الغرب حول الإسلام، باعتباره دينا همجيّا عنيفًا غارقًا في الفوضى والجهل، ويتوافر على رؤية غير عقلانية جامدة وساكنة، تلك الرؤية كانت إفرازًا طبيعيًّا للعقل "الأداتي" الغربي، الذي تكون في سياق المركزية الغربية التي تنطوي على ذات نرجسية متضخمة، تنزع إلى الهيمنة والسيطرة والاستغلال.

وقد شهد العالم العربي والإسلامي نشاطًا كبيرًا لإعادة الاعتبار لابن خلدون أولًا، وللذات العربية الإسلامية ثانيًا في سبعينيات القرن المنصرم، بعد أن بقي صامتًا وخجولًا حتى مطلع القرن العشرين، وبدأ الاعتراف به كأحد القيم السامية التي تظهر عظمة الإسلام وتسامحه، وكثرت الدراسات والأبحاث الخلدونية التي عملت على إعادة تملكه واستعماله في سياق الأيديولوجية الثقافية للقومية العربية، بحيث تحول ابن خلدون إلى رمزٍ، في عمليات الصراع الخطابي والمرئي بين الغرب والشرق من جهة، والعالم العربي والإسلامي بتياراته الإسلامية والقومية واليسارية من جهة أخرى.

ومع ذلك فإنه لا خلاف على المكانة الرفيعة التي يتمتع بها ابن خلدون في مجال التاريخ، وما اصطلح عليه بعلم طبائع العمران، بفضل عبقريته التي أبدعت عملًا تركيبيًّا فريدًا لا يزال صالحًا في كثير من جوانبه للإضاءة على بعض إشكالاتنا المعاصرة، وقادرًا على تفهم سلوك الفاعلين السياسيين والاجتماعيين في عالمنا المطبوع بالفساد والعصبية، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يجعلنا نغفل عن المكانة الطبيعية لهذا العبقري المحير في سياق المجال التداولي الإسلامي.

فالقول بأن ابن خلدون كان متكلّمًا أصيلًا كما ذهب إليه البعض، لا يصمد أمام البحث والدرس العلميين، ولا يخرج عن سياقات المبالغة والتهويل والافتخار، والمطالع المدقق لما أنتجه ابن خلدون في علم الكلام، سواء في شبابه عندما قام بتلخيص كتاب «المحصل» للرازي، أو ما كتبه في الفصل الخاص بعلم الكلام في المقدمة، التي أبدعها إبان نضجه أثناء إقامته في قلعة ابن سلامة، أو الإشارات الموجودة في مؤلفه «شفاء السائل»، والذي يدور حول التصوف، يجده لا يخرج في مجمل آرائه عن النسق الفكري الأشعري، الذي وصل إلى المغرب العربي، والذي يمتاز بنزعة سلفية محافظة بسبب غلبة المذهب المالكي الذي ينزع إلى تفضيل العمل على النظر، ولعل هذه النزعة هي التي حملته على القول بعدم الحاجة إلى علم الكلام في عصره، تلك الدعوة الخطيرة التي تشبه القول بإغلاق باب الاجتهاد، وتعبر عن رؤية قاصرةٍ لماهية ووظيفة هذا العلم الأصيل، فبحسب ابن خلدون تقتصر غاية علم الكلام في الرد على الخصوم من المبتدعة، تلك الوظيفة التي كفانا أئمة أهل السنة مؤونتها والانشغال بها لانقراض المبتدعة والمنحرفين، وهي رؤية تنطوي على تعصب وجمود، تجاه التيارات الكلامية التي ساهمت في بناء علم إسلامي إبداعي يتسم بالجدة والأصالة؛ فابن خلدون يربط نشأة علم الكلام بأبي الحسن الأشعري، ويستبعد سائر الفرق الإسلامية، وفي مقدمتهم المعتزلة، وينفي عنهم صفة التأسيس والسبق، بل ويحشرهم في زمرة المبتدعة.

ولا تخرج المساهمة المغربية في علم الكلام عن فكر المشارقة، ولا نظفر في هذا الإنتاج الكلامي بإبداع يميِّزه، فالمتابعة والتقليد والمحافظة هي أبرز السمات التي تميز النسق الفكري للأشعرية المغربية، فضِّلًا عن السمة السلفية التي تطبع المذهب المالكيّ الفقهيّ بتقيُّده بظواهر النصوص والبعد عن التأويل، وهذه الصفات أحد مكونات شخصية ابن خلدون الكلامية، فهو يتوافر على رؤية خطيرة لهذا العلم، قوامها الحط على المخالفين كالمعتزلة والباطنية؛ فالهدف الأساسي لعلم الكلام –بحسب ابن خلدون –ينحصر في إيراد الحجج ودفع الشبه التي تثار داخل العالم الإسلامي، على خلاف الرؤية التي بلورها المعتزلة وغيرهم، والتي ترى في هذا العلم دفاعا عن العقيدة الإيمانية وتبيينها وإثباتها، ودحض الشبه من خصوم الخارج الإسلامي المتمثلة بأهل الديانات الأخرى كاليهودية والمسيحية ومذاهب الثنوية المانوية الفارسية والبراهمة الهندية، فضلًا عن الملحدين في الداخل والخارج.

يمكن القول: إن الرؤية الخلدونية لعلم الكلام تتسم بالسلبية والتبعية والجمود، فلا نكاد نظفر له برأي يخرج عن المذهب الأشعري في مسائل المعرفة والذات والصفات، في جليل الكلام كالإلهيات والنبوات والسمعيات، أو دقيق الكلام المتعلق بالجوهر والعرض والجزء الذي لا يتجزأ، ومجمل الفيزياء الكلامية.

وعلى الرغم من اقترابه من المنهج الاسمي الواقعي التجريبي، إلا أنه لم يوظفه في مباحث علم الكلام.

وربما تكون المساهمة الخلدونية في هذا العلم تبرز بشكل واضح في المسائل المتعلقة بالإمامة، انسجاما مع رؤيته التاريخية المتعلقة بطبائع العمران، ومفهوم العصبية، فهو يخالف جمهور الأشاعرة في اشتراط القرشية، كما أنه يؤكد أن منصب النبوة لا يخرج عن قاعدة العصبية، ولذلك فإن البحث في علم الكلام الخلدوني لا يبدو في نظرنا، يتوافر على نتائج يمكن استثمارها في إعادة الاعتبار لهذا العلم الجليل، إلا أنه يمكن الاستفادة من تأملاته ونظرياته المتعلقة في باب الإمامة بشكل خاص، والذي يظهر فيه أصالة وجِدّة، لا نجدها لدى أكثر المتكلمين، ولا نعتقد أنه يمكن الاتكاء على التراث الخلدوني الكلامي في تجديد هذا العلم ليأخذ مكانته اللائقة ضمن الإسهامات الإسلامية الرفيعة في حقل الكلام والفلسفة واللاهوت.

من هنا لا يمكن الوثوق في عدّ ابن خلدون في زمرة المتكلمين، بل إنه نفسه لم يدَّع ذلك، فقد كان ذلك جزءًا من اشتغاله في شبابه، فمعرفته الجيدة بمسائل هذا العلم الجليل لا ترقى إلى مستوى التجديد والإبداع والابتكار، كشأن عنايته بالفلسفة وموقفه السلبي منها، كما هو حال أهل المغرب في عصره.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
علم الكلام الخلدوني
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
hadj-mehdi-ain-el-arbaa :: المواضبع :: خطب ومحاضرات-
انتقل الى: